الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ ورَفْعُ السَّماءِ مَعْلُومٌ مَعْنًى، ونَصْبُها مَعْلُومٌ لَفْظًا، فَإنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَها﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: رَفَعَ السَّماءَ، وقُرِئَ ”والسَّماءُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ وأمّا ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ فَإشارَةٌ إلى العَدْلِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى بَدَأ أوَّلًا بِالعِلْمِ ثُمَّ ذَكَرَ ما فِيهِ أشْرَفُ أنْواعِ العُلُومِ وهو القُرْآنُ، ثُمَّ ذَكَرَ العَدْلَ وذَكَرَ أخَصَّ الأُمُورِ لَهُ وهو المِيزانُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] لِيَعْمَلَ النّاسُ بِالكِتابِ ويَفْعَلُوا بِالمِيزانِ ما يَأْمُرُهم بِهِ الكِتابُ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿ووَضَعَ المِيزانَ﴾ مِثْلَ: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ فَإنْ قِيلَ: العِلْمُ لا شَكَّ في كَوْنِهِ نِعْمَةً عَظِيمَةً، وأمّا المِيزانُ فَما الَّذِي فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي بِسَبَبِها يُعَدُّ في الآلاءِ ؟ نَقُولُ: النُّفُوسُ تَأْتِي الغُبْنَ ولا يَرْضى أحَدٌ بِأنْ يَغْلِبَهُ الآخَرُ ولَوْ في الشَّيْءِ اليَسِيرِ، ويَرى أنَّ ذَلِكَ اسْتِهانَةٌ بِهِ فَلا يَتْرُكُهُ لِخَصْمِهِ لِغَلَبَةٍ، فَلا أحَدَ يَذْهَبُ إلى أنَّ خَصْمَهُ يَغْلِبُهُ فَلَوْلا التَّبْيِينُ ثُمَّ التَّساوِي لَأوْقَعَ الشَّيْطانُ بَيْنَ النّاسِ البَغْضاءَ كَما وقَعَ عِنْدَ الجَهْلِ وزَوالِ العَقْلِ والسُّكْرِ، فَكَما أنَّ العَقْلَ والعِلْمَ صارا سَبَبًا لِبَقاءِ عِمارَةِ العالَمِ، فَكَذَلِكَ العَدْلُ في الحِكْمَةِ سَبَبٌ، وأخَصُّ الأسْبابِ المِيزانُ فَهو نِعْمَةٌ كامِلَةٌ ولا يُنْظَرُ إلى عَدَمِ ظُهُورِ نِعْمَتِهِ لِكَثْرَتِهِ وسُهُولَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ كالهَواءِ والماءِ اللَّذَيْنِ لا يَتَبَيَّنُ فَضْلُهُما إلّا عِنْدَ فَقْدِهِما.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب