الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أغْنى وأقْنى﴾ وكانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِعَطاءِ الشِّعْرى، وجَبَ الشُّكْرُ لِمَن قَدْ أهْلَكَ وكَفى لَهم دَلِيلًا حالُ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ: و﴿عادًا الأُولى﴾ قِيلَ: بِالأُولى تَمَيَّزَتْ مِن قَوْمٍ كانُوا بِمَكَّةَ هم عادٌ الآخِرَةُ، وقِيلَ: الأُولى لِبَيانِ تَقَدُّمِهِمْ لا لِتَمْيِيزِهِمْ، تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ جاءَنِي فَتَصِفُهُ لا لِتُمَيِّزَهُ ولَكِنْ لِتُبَيِّنَ عِلْمَهُ، وفِيهِ قِراءاتٌ ”عادًا الأُولى“ بِكَسْرِ نُونِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و”عادَ الأُولى“ بِإسْقاطِ نُونِ التَّنْوِينِ أيْضًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَقِراءَةِ ”عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ“ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] و”عادًا لُولى“ بِإدْغامِ النُّونِ في اللّامِ، ونَقْلِ ضَمَّةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ و”عادًا لْؤُلى“ بِهَمْزَةِ الواوِ، وقَرَأ هَذا القارِئُ ”عَلى سُؤْقِهِ“ ودَلِيلُهُ ضَعِيفٌ وهو يَحْتَمِلُ هَذا في مَوْضِعِ ”المُؤْقَدَةُ“ و”المُؤْصَدَةُ“ لِلضَّمَّةِ والواوُ فَهي في هَذا المَوْضِعِ تُجْزِي عَلى الهَمْزَةِ، وكَذا في ”سُؤْقِهِ“ لِوُجُودِ الهَمْزَةِ في الأصْلِ، وفي مُوسى. وقَوْلُهُ لا يَحْسُنُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ يَعْنِي وأهْلَكَ ثَمُودَ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أبْقى﴾ عائِدٌ إلى عادٍ وثَمُودَ أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: فَما أبْقاهم أيْ فَما أبْقى مِنهم أحَدًا ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] وتَمَسَّكَ الحَجّاجُ عَلى مَن قالَ: إنَّ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ . ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ أهْلَكَهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ والمَسْألَةُ مَشْهُورَةٌ في ”قَبْلُ“، و”بَعْدُ“ تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ فَتَصِيرُ كالغايَةِ فَتُبْنى عَلى الضَّمَّةِ. أمّا البِناءُ فَلِتَضَمُّنَهُ الإضافَةَ، وأمّا عَلى الضَّمَّةِ فَلِأنَّها لَوْ بُنِيَتْ عَلى الفُتْحَةِ لَكانَ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ ما يَسْتَحِقُّهُ بِالإعْرابِ مِن حَيْثُ إنَّها ظُرُوفُ زَمانٍ فَتَسْتَحِقُّ النَّصْبَ والفَتْحَ مِثْلَهُ، ولَوْ بُنِيَتْ عَلى الكَسْرِ لَكانَ الأمْرُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ وهو الجَرُّ بِالجارِّ فَبُنِيَ عَلى ما يُخالِفُ حالَتَيْ إعْرابِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أمّا الظُّلْمُ فَلِأنَّهم هُمُ البادِئُونَ بِهِ المُتَقَدِّمُونَ فِيهِ ”«ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مِن عَمِلَ بِها» “ والبادِئُ أظْلَمُ، وأما ”أطْغى“ فَلِأنَّهم سَمِعُوا المَواعِظَ وطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ولَمْ يَرْتَدِعُوا حَتّى دَعا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم، ولا يَدْعُو نَبِيٌّ عَلى قَوْمِهِ إلّا بَعْدَ الإصْرارِ العَظِيمِ، والظّالِمُ واضِعُ (p-٢٢)الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والطّاغِي المُجاوِزُ الحَدَّ؛ فالطّاغِي أدْخَلُ في الظُّلْمِ فَهو كالمُغايِرِ والمُخالِفِ، فَإنَّ المُخالِفَ مُغايِرٌ مَعَ وصْفٍ آخَرَ زائِدٍ، وكَذا المُغايِرُ والمُضادُّ وكُلُّ ضِدٍّ غَيْرٌ ولَيْسَ كُلُّ غَيْرٍ ضِدًّا، وعَلَيْهِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ الظّالِمِ بِالهَلاكِ، فَإذا قالَ: هم كانُوا في غايَةِ الظُّلْمِ والطُّغْيانِ فَأُهْلِكُوا يَقُولُ الظّالِمُ: هم كانُوا أظْلَمَ فَأُهْلِكُوا لِمُبالَغَتِهِمْ في الظُّلْمِ، ونَحْنُ ما بالَغْنا فَلا نَهْلَكُ، وأمّا لَوْ قالَ: أُهْلِكُوا لِأنَّهم ظَلَمَةٌ لَخافَ كُلُّ ظالِمٍ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أظْلَمَ﴾ ؟ نَقُولُ: المَقْصُودُ بَيانُ شِدَّتِهِمْ وقُوَّةِ أجْسامِهِمْ فَإنَّهم لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الظُّلْمِ والطُّغْيانِ الشَّدِيدِ إلّا بِتَمادِيهِمْ وطُولِ أعْمارِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجا أحَدٌ مِنهم فَما حالُ مَن هو دُونَهم مِنَ العُمْرِ والقُوَّةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب