الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الطُّورِ واسْتَدْلَلْنا بِهَذِهِ الآيَةِ ونَذْكُرُ ما يَقْرُبُ مِنهُ هاهُنا فَنَقُولُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ ولا يَتَّبِعُونَ الشَّرْعَ، وإنَّما يَتَّبِعُونَ ما يَدَّعُونَ أنَّهُ عَقْلٌ فَيَقُولُونَ أسْماءُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ تَوْقِيفِيَّةً، ويَقُولُونَ الوَلَدُ هو المَوْجُودُ مِنَ الغَيْرِ ويَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ: كَذا يَتَوَلَّدُ مِنهُ كَذا، يُقالُ الزُّجاجُ يَتَوَلَّدُ مِنَ الآجُرِّ بِمَعْنى يُوجَدُ مِنهُ، وكَذا القَوْلُ في بِنْتِ الكَرَمِ وبِنْتِ الجَبَلِ، ثُمَّ قالُوا المَلائِكَةُ وُجِدُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهم أوْلادُهُ بِمَعْنى الإيجادِ ثُمَّ إنَّهم رَأوْا في المَلائِكَةِ تاءَ التَّأْنِيثِ، وصَحَّ عِنْدَهم أنْ يُقالَ سَجَدَتِ المَلائِكَةُ فَقالُوا: بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ أيْ كَما سُمِّيَ الإناثُ بَناتٍ. وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَعَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانَ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَرْبُطُوا مَرْكُوبًا عَلى قَبْرِ مَن يَمُوتُ ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يُحْشَرُ عَلَيْهِ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا كانُوا لا يَجْزِمُونَ بِهِ كانُوا يَقُولُونَ لا حَشْرَ، فَإنْ كانَ فَلَنا شُفَعاءُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [ فُصِّلَتْ: ٥٠] . ثانِيهِما: أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالآخِرَةِ عَلى الوَجْهِ [ الحَقِّ] وهو ما ورَدَ بِهِ الرُّسُلُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ أُنْثى فُعْلى مِن أفْعَلَ، يُقالُ في فِعْلِها آنَثَ، ويُقالُ في فاعِلِها أنِيثٌ، يُقالُ حَدِيدٌ ذَكَرٌ وحَدِيدٌ أنِيثٌ، والحَقُّ أنَّ الأُنْثى يُسْتَعْمَلُ في الأكْثَرِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ جَمْعِها عَلى إناثٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ قالَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ولَمْ يَقُلْ تَسْمِيَةَ الإناثِ ؟ نَقُولُ عَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: ظاهِرٌ والآخَرُ دَقِيقٌ، أمّا الظّاهِرُ فَهو أنَّ المُرادَ بَيانُ الجِنْسِ، وهَذا اللَّفْظُ ألْيَقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَمّا جاءَ عَلى وفْقِهِ آخِرُ (p-٢٦٦)الآياتِ. والدَّقِيقُ هو أنَّهُ لَوْ قالَ يُسَمُّونَهم تَسْمِيَةَ الإناثِ كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: البَناتُ. وثانِيهِما: الأعْلامُ المُعْتادَةُ لِلْإناثِ كَعائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَإنَّ تَسْمِيَةَ الإناثِ كَذَلِكَ تَكُونُ، فَإذا قالَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ وهي البِنْتُ والبَناتُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هي أنَّهم لَمّا قِيلَ لَهم إنَّ الصَّنَمَ جَمادٌ لا يَشْفَعُ وبَيَّنَ لَهم إنَّ أعْظَمَ أجْناسِ الخَلْقِ لا شَفاعَةَ لَهم إلّا بِالإذْنِ، قالُوا: نَحْنُ لا نَعْبُدُ الأصْنامَ لِأنَّها جَماداتٌ وإنَّما نَعْبُدُ المَلائِكَةَ بِعِبادَتِها فَإنَّها عَلى صُوَرِها ونَنْصِبُها بَيْنَ أيْدِينا لِيُذَكِّرَنا الشّاهِدُ الغائِبَ، فَنُعَظِّمُ المَلَكَ الَّذِي ثَبَتَ أنَّهُ مُقَرَّبٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ رَفِيعُ المَكانِ، فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ كَيْفَ تُعَظِّمُونَهم وأنْتُمْ تُسَمُّونَهم تَسْمِيَةَ الأُنْثى، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ مُسْتَنَدَهم في ذَلِكَ وهو لَفْظُ المَلائِكَةِ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لِيُسَمُّونِ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى، بَلْ قالَ: ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ فَإنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالتّاءِ واغْتِرارُهم باطِلٌ لِأنَّ التّاءَ تَجِيءُ لِمَعانٍ غَيْرِ التَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ، والبِنْتُ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ بِالإطْلاقِ، والتّاءُ فِيها لِتَأْكِيدِ مَعْنى الجَمْعِ كَما في صَياقِلَةٍ وهي تُشْبِهُ تِلْكَ التّاءَ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ في المَشْهُورِ جَمْعُ مَلَكٍ، والمَلَكُ اخْتِصارٌ مِنَ المَلاكِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، والمَلْأكُ قَلْبُ المَأْلَكِ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ، فالمَلائِكَةُ عَلى هَذا القَوْلِ مَفاعِلَةٌ، والأصْلُ مَفاعِلُ ورُدَّ إلى مَلائِكَةٍ في الجَمْعِ فَهي تُشْبِهُ فَعائِلَ وفَعائِلَةَ، والظّاهِرُ أنَّ المَلائِكَةَ فَعائِلُ جَمْعُ مَلِيكِيٍّ مَنسُوبٌ إلى المَلِيكِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [ القَمَرِ: ٥٥] في وعْدِ المُؤْمِنِ، وقالَ في وصْفِ المَلائِكَةِ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٣٨] وقالَ أيْضًا في الوَعْدِ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ [ ص: ٤٠] وقالَ في وصْفِ المَلائِكَةِ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [ النِّساءِ: ١٧٢] فَهم إذَنْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِمَزِيدِ قُرْبِهِ ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [ التَّحْرِيمِ: ٦] كَأمْرِ المُلُوكِ والمُسْتَخْدَمِينَ عِنْدَ السَّلاطِينِ الواقِفِينَ بِأبْوابِهِمْ مُنْتَظِرِينَ لِوُرُودِ أمْرٍ عَلَيْهِمْ، فَهم مُنْتَسِبُونَ إلى المَلِيكِ المُقْتَدِرِ في الحالِ، فَهم مَلِيكِيُّونَ ومَلائِكَةٌ، فالتّاءُ لِلنِّسْبَةِ في الجَمْعِ كَما في الصَّيارِفَةِ والبَياطِرَةِ. فَإنْ قِيلَ هَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ أحَدًا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِواحِدٍ مِنهم مَلِيكِيٌّ كَما اسْتُعْمِلَ صَيْرَفِيٌّ. والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ عِنْدَما يَصِيرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسٌ غَيْرُ الآدَمِيِّ. الثّالِثُ: هو أنَّ فَعائِلَةَ في جَمْعِ فَعِيلِيَّ لَمْ يُسْمَعْ، وإنَّما يُقالُ فَعِيلَةٌ كَما يُقالُ جاءَ بِالنَّمِيمَةِ والحَقِيبَةِ. الرّابِعُ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لِما جُمِعَ مَلَكٌ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أمّا عَدَمُ اسْتِعْمالِ واحِدِهِ فَمُسَلَّمٌ وهو لِسَبَبٍ وهو أنَّ المَلِكَ كُلَّما كانَ أعْظَمَ كانَ حُكْمُهُ وخَدَمُهُ وحَشَمُهُ أكْثَرَ، فَإذا وُصِفَ بِالعَظَمَةِ وُصِفَ بِالجَمْعِ، فَيُقالُ صاحِبُ العَسْكَرِ الكَثِيرِ، ولا يُوصَفُ بِواحِدٍ وصْفَ تَعْظِيمٍ، وأمّا ذَلِكَ الواحِدُ فَإنْ نُسِبَ إلى المَلِيكِ عُيِّنَ لِلْخَبَرِ بِأنْ يُقالَ هَذا مَلِيكِيٌّ وذَلِكَ عِنْدَما تُعْرَفُ عَيْنُهُ فَتَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً وتُخْبِرُ بِالمَلِيكِيِّ عَنْهُ، والمَلائِكَةُ لَمْ يُعْرَفُوا بِأعْيانِهِمْ إلّا قَلِيلًا مِنهم كَجِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، وحِينَئِذٍ لا فائِدَةَ في قَوْلِنا جِبْرِيلُ مَلِيكِيٌّ، لِأنَّ مَن عَرَّفَ الخَبَرَ ولا يُصاغُ الحَمْلُ إلّا لِبَيانِ ثُبُوتِ الخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ، فَلا يُقالُ لِلْإنْسانِ حَيَوانٌ أوْ جِسْمٌ لِأنَّهُ إيضاحُ واضِحٍ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في ضَرْبِ مِثالٍ أوْ في صُورَةٍ نادِرَةٍ لِغَرَضٍ، وأمّا أنْ يُنْسَبَ إلى المَلِيكِ وهو مُبْتَدَأٌ فَلا، لِأنَّ العَظَمَةَ في أنْ يَقُولَ واحِدٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَنَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ المُقَرَّبِينَ إلَيْهِ كَما تَقُولُ واحِدٌ مِن أصْحابِ المَلِكِ ولا تَقُولُ صاحِبُ المَلِكِ، فَإذا أرَدْتَ التَّعْظِيمَ البالِغَ فَعِنْدَ الواحِدِ اسْتَعْمَلَ اسْمَ المَلَكِ غَيْرَ مَنسُوبٍ بَلْ هو مَوْضُوعٌ لِشِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ و﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ فَقالَ: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ و(م ل ك) تَدُلُّ عَلى الشِّدَّةِ في تَقالِيبِها عَلى ما عُرِفَ وعِنْدَ (p-٢٦٧)الجَمْعِ اسْتَعْمَلَ المَلائِكَةَ لِلتَّعْظِيمِ، كَما قالَهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٣١] . الجَوابُ عَنِ الثّانِي: نَقُولُ قَدْ يَكُونُ الِاسْمُ في الأوَّلِ لِوَصْفٍ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ، وغَيْرُهُ لَوْ صارَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ الوَصْفِ لا يُسَمّى بِذَلِكَ الِاسْمِ كالدّابَّةِ فاعِلَةٌ مِن دَبَّ، ولا يُقالُ لِلْمَرْأةِ ذاتِ الدَّبِّ دابَّةٌ اسْمًا، ورُبَّما يُقالُ لَها صِفَةً عِنْدَ حالَةِ ما تَدِبُّ بِدَبٍّ مَخْصُوصٍ غَيْرِ الدَّبِّ العامِّ الَّذِي في الكُلِّ، كَما لَوْ دَبَّتْ بِلَيْلٍ لِأخْذِ شَيْءٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ يُقالُ إنَّما سُمِّيَتِ المَلائِكَةُ مَلائِكَةً لِطُولِ انْتِسابِهِمْ مِن قَبْلِ خَلْقِ الآدَمِيِّ بِسِنِينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَمَن لَمْ يَصِلْ إلى اللَّهِ ويَقُمْ بِبابِهِ لا يَحْصُلُ لَهُ العَهْدُ والِانْتِسابُ، فَلا يُسَمّى بِذَلِكَ الِاسْمِ. الجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: نَقُولُ: الجُمُوعُ القِياسِيَّةُ لا مانِعَ لَها كَفِعالٍ في جَمْعِ فَعَلٍ كَجِبالٍ وثِمارٍ وأفْعالٍ كَأثْقالٍ وأشْجارٍ وفَعْلانَ وغَيْرِها، وأمّا السَّماعُ وإنْ لَمْ يَرِدْ إلّا قَلِيلًا فاكْتُفِيَ بِما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مِن نِسْبَةِ الجَمْعِ إلّا بابَ اللَّهِ، ويَكُونُ مِن بابِ المَرْأةِ والنِّساءِ. الجَوابُ عَنِ الرّابِعِ: فالمَنعُ ولَعَلَّ هَذا مِنهُ، أوْ نَقُولُ حُمِلَ فَعِيلِيٌّ عَلى فَعِيلٍ في الجَمْعِ كَما حُمِلَ فَيْعِلٌ في الجَمْعِ عَلى فَعِيلٍ فَقِيلَ في جَمْعِ جَيِّدٍ جِيادٌ ولا يُقالُ في فَعِيلٍ أفاعِلُ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إبْلِيسَ عِنْدَما كانَ واقِفًا بِالبابِ كانَ داخِلًا في جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٤] عِنْدَما صُرِفَ وأُبْعِدَ خَرَجَ عَنْهم وصارَ مِنَ الجِنِّ. وأمّا ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ مِن أنَّ المَلائِكَةَ جَمْعُ مَلْأكٍ، وأصْلُ مَلْأكٍ مَأْلَكٌ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ فَفِيهِ تَعَسُّفاتٌ أكْثَرُ مِمّا ذَكَرْنا بِكَثِيرٍ، مِنها أنَّ المَلَكَ لا يَكُونُ فَعَلٌ بَلْ هو مَفْعَلٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولِمَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مَآلِكُ عَلى أصْلِهِ كَمَآرِبَ ومَآثِمَ ومَآكِلَ وغَيْرِها مِمّا لا يُعَدُّ إلّا بِتَعَسُّفٍ ؟ ومِنها أنَّ مَلَكًا لِمَ جُعِلَ مَلْأكٌ ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ بِأخَواتِهِ الَّتِي ذَكَرْناها ؟ ومِنها أنَّ التّاءَ لِمَ أُلْحِقَتْ بِجَمْعِهِ ولِمَ لَمْ يَقُلْ مَلائِكُ كَما في جَمْعِ كُلِّ مَفْعَلٍ ؟ والَّذِي يَرُدُّ قَوْلَهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [ فاطِرٍ: ١] فَهي غَيْرُ الرُّسُلِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ جُعِلَتِ المَلائِكَةُ رُسُلًا كَما لا يَصِحُّ جُعِلَتِ الرُّسُلُ مُرْسَلِينَ، وجُعِلَ المُقْتَرِبُ قَرِيبًا، لِأنَّ الجَعْلَ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَغْيِيرٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرُوا أنَّ الكُلَّ مَنسُوبُونَ إلَيْهِ مَوْقُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُنْتَظِرُونَ أمْرَهُ لِوُرُودِ الأوامِرِ عَلَيْهِمْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب