الباحث القرآني
﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ما يَجِبُ ذِكْرُهُ في سُورَةِ والطُّورِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٣٩] ونُعِيدُ هاهُنا بَعْضَ ذَلِكَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي رَأيْتُمُوها وعَرَفْتُمُوها تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وقَدْ سَمِعْتُمْ جَلالَ اللَّهِ وعَظَمَتَهُ وإنَّ المَلائِكَةَ مَعَ رِفْعَتِهِمْ وعُلُوِّهِمْ يَنْتَهُونَ إلى السِّدْرَةِ ويَقِفُونَ هُناكَ لا يَبْقى شَكٌّ في كَوْنِهِمْ بَعِيدِينَ عَنْ طَرِيقَةِ المَعْقُولِ أكْثَرَ مِمّا بَعُدُوا عَنْ طَرِيقَةِ المَنقُولِ، فَكَأنَّهم قالُوا نَحْنُ لا نَشُكُّ أنَّ شَيْئًا مِنها لَيْسَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى ولا قَرِيبًا مِن أنْ يُماثِلَهُ، وإنَّما صَوَّرْنا هَذِهِ الأشْياءَ عَلى صُوَرِ المَلائِكَةِ المُعَظَّمِينَ الَّذِينَ اعْتَرَفَ بِهِمُ الأنْبِياءُ، وقالُوا إنَّهم يَرْتَقُونَ ويَقِفُونَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ويَرِدُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ والنَّهْيُ ويُنْهُونَ إلى اللَّهِ ما يَصْدُرُ مِن عِبادِهِ في أرْضِهِ وهم بَناتُ اللَّهِ، فاتَّخَذْنا صُوَرًا عَلى صُوَرِ الإناثِ وسَمَّيْناها أسْماءَ الإناثِ، فاللّاتُ تَأْنِيثُ اللَّوَةِ وكانَ أصْلُهُ أنْ يُقالَ اللّاهَةُ لَكِنَّ في التَّأْنِيثِ يُوقَفُ عَلَيْها فَتَصِيرُ اللّاهَةُ فَأُسْقِطَ إحْدى الهاءَيْنِ وبَقِيَتِ الكَلِمَةُ عَلى حَرْفَيْنِ أصْلِيَّيْنِ وتاءِ التَّأْنِيثِ، فَجَعَلْناها كالأصْلِيَّةِ كَما فَعَلْنا بِذاتِ مالٍ وذا مالِ، والعُزّى تَأْنِيثُ الأعَزِّ، فَقالَ لَهم كَيْفَ جَعَلْتُمْ لِلَّهِ بَناتٍ وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ في أنْفُسِكم أنَّ البَناتِ ناقِصاتٌ والبَنِينَ كامِلُونَ، واللَّهُ كامِلُ العَظَمَةِ فالمَنسُوبُ إلَيْهِ كَيْفَ جَعَلْتُمُوهُ ناقِصًا وأنْتُمْ في غايَةِ الحَقارَةِ والذِّلَّةِ حَيْثُ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم أذَلَّ مِن حِمارٍ وعَبْدٍ ثُمَّ صَخْرَةٍ وشَجَرَةٍ ثُمَّ نَسَبْتُمْ إلى أنْفُسِكُمُ الكامِلَ، فَهَذِهِ القِسْمَةُ جائِرَةٌ عَلى طَرِيقِكم أيْضًا حَيْثُ أذْلَلْتُمْ أنْفُسَكم ونَسَبْتُمْ إلَيْها الأعْظَمَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وأبْغَضْتُمُ البَناتِ ونَسَبْتُمُوهُنَّ إلى الأعْظَمِ وهو اللَّهُ تَعالى، وكانَ عَلى عادَتِكم أنْ تَجْعَلُوا الأعْظَمَ لِلْعَظِيمِ والأنْقَصَ لِلْحَقِيرِ، فَإذَنْ أنْتُمْ خالَفْتُمُ الفِكْرَ والعَقْلَ والعادَةَ الَّتِي لَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تِلْكَ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ إلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ تِلْكَ القِسْمَةُ قِسْمَةٌ ضِيزى أيْ غَيْرُ عادِلَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ مَعْناهُ تِلْكَ النِّسْبَةُ قِسْمَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم ما قَسَّمُوا وما قالُوا لَنا البَنُونَ ولَهُ البَناتُ، وإنَّما (p-٢٥٧)نَسَبُوا إلى اللَّهِ البَناتِ وكانُوا يَكْرَهُونَهُنَّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٦٢] فَلَمّا نَسَبُوا إلى اللَّهِ البَناتِ حَصَلَ مِن تِلْكَ النِّسْبَةِ قِسْمَةٌ جائِرَةٌ وهَذا الخِلافُ لا يُرْهِقُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (إذًا) جَوابُ ماذا ؟ نَقُولُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: نِسْبَتُكُمُ البَناتِ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَ لَكُمُ البَنُونَ قِسْمَةٌ ضِيزى.
الثّانِي: نِسْبَتُكُمُ البَناتِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ اعْتِقادِكم أنَّهُنَّ ناقِصاتٌ واخْتِيارِكُمُ البَنِينَ مَعَ اعْتِقادِكم أنَّهم كامِلُونَ إذا كُنْتُمْ في غايَةِ الحَقارَةِ واللَّهُ تَعالى في نِهايَةِ العَظَمَةِ قِسْمَةٌ ضِيزى، فَإنْ قِيلَ ما أصْلُ (إذًا) ؟ قُلْنا هو (إذا) الَّتِي لِلظَّرْفِ قُطِعَتِ الإضافَةُ عَنْها فَحَصَلَ فِيها تَنْوِينٌ، وبَيانُهُ هو أنَّكَ تَقُولُ آتِيكَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَكَأنَّكَ أضَفْتَ إذا لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وقُلْتَ آتِيكَ وقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا قالَ قائِلٌ آتِيكَ فَتَقُولُ لَهُ إذَنْ أُكْرِمُكَ، أيْ إذا أتَيْتَنِي أُكْرِمُكَ، فَلَمّا حَذَفْتَ الإتْيانَ لِسَبْقِ ذِكْرِهِ في قَوْلِ القائِلِ أتَيْتَ بَدَلَهُ بِتَنْوِينٍ وقُلْتَ إذَنْ كَما تَقُولُ: وكُلًّا آتَيْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿ضِيزى﴾ قُرِئَ بِالهَمْزَةِ وبِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وعَلى الأُولى هي فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ كَذِكْرى عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ أيْ قِسْمَةٌ ضائِزَةٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ هي فُعْلى وكانَ أصْلُها ضُوزى لَكِنَّ عَيْنَ الكَلِمَةِ كانَتْ يائِيَّةً فَكُسِرَتِ الفاءُ لِتَسْلَمَ العَيْنُ عَنِ القَلْبِ، كَذَلِكَ فُعِلَ بِبِيضٍ، فَإنَّ جَمْعَ أفْعَلَ فُعْلٌ تَقُولُ أسْوَدُ وسُودٌ وأحْمَرُ وحُمْرٌ، وتَقُولُ أبْيَضُ وبِيضٌ وكانَ الوَزْنُ بُوضًا وكانَ يَلْزَمُ مِنهُ قَلْبُ العَيْنِ فَكُسِرَتِ الباءُ وتُرِكَتِ الياءُ عَلى حالِها، وعَلى هَذا ضِيزى لِلْمُبالَغَةِ مِن ضائِزَةٍ، تَقُولُ فاضِلٌ وأفْضَلُ وفاضِلَةٌ وفُضْلى وكَبِيرٌ وأكْبَرُ وكَبِيرى وكُبْرى، كَذَلِكَ ضائِزٌ وضُوَزٌ وضائِزَةٌ وضُوزى عَلى هَذا نَقُولُ: أضْوَزُ مِن ضائِزٍ وضِيزى مِن ضائِزَةٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ قُلْتَ مِن قَبْلُ إنَّ قَوْلَهُ ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٣٩] لَيْسَ بِمَعْنى إنْكارِ الأمْرَيْنِ بَلْ بِمَعْنى إنْكارِ الأوَّلِ وإظْهارِ النُّكْرِ بِالأمْرِ الثّانِي، كَما تَقُولُ أتَجْعَلُونَ لِلَّهِ أنْدادًا وتَعْلَمُونَ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ لا يُنْكَرُ الثّانِي، وهاهُنا قَوْلُهُ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ أنْكَرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلانِ: أمّا إنْكارُ الأمْرَيْنِ فَظاهِرٌ في المَشْهُورِ، أمّا إنْكارُ الأوَّلِ فَثابِتٌ بِوُجُوهٍ، وأمّا الثّانِي فَلَمّا ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قالَ كَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ وقَدْ صارَ لَكُمُ البَنُونَ بِقُدْرَتِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [ الشُّورى: ٤٩] خالِقُ البَنِينَ لَكم لا يَكُونُ لَهُ بَناتٌ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ فَنَقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ عائِدَةٌ إلى النِّسْبَةِ أيْ نِسْبَتُكُمُ البَناتِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ لَكُمُ البَنِينَ قِسْمَةٌ ضائِزَةٌ فالمُنْكَرُ تِلْكَ النِّسْبَةُ، وإنْ كانَ المُنْكَرُ القِسْمَةَ نَقُولُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: أيَجُوزُ جَعْلُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى كَما أنَّ واحِدًا إذا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرِيكِهِ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ عَلى السَّوِيَّةِ فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ لِنَفْسِهِ ويُعْطِي مِنَ النِّصْفِ الباقِي نِصْفَهُ لِظالِمِهِ ونِصْفَهُ لِصاحِبِهِ، فَقالَ هَذِهِ قِسْمَةٌ ضائِزَةٌ لا لِكَوْنِهِ أخَذَ النِّصْفَ فَذَلِكَ حَقُّهُ بَلْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُوصِلْ إلَيْهِ النِّصْفَ الباقِيَ.
{"ayahs_start":21,"ayahs":["أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ","تِلۡكَ إِذࣰا قِسۡمَةࣱ ضِیزَىٰۤ"],"ayah":"تِلۡكَ إِذࣰا قِسۡمَةࣱ ضِیزَىٰۤ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











