الباحث القرآني
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن أيْنَ عُرِفَ كَوْنُهم مُرْسَلِينَ ؟ فَنَقُولُ ﴿قالُوا﴾ لَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا لِما بَيَّنّا أنَّ الحِكايَةَ بِبَسْطِها مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ هُودٍ، أوْ نَقُولُ لَمّا قالُوا لِامْرَأتِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ عَلِمَ كَوْنَهم مُنْزَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَيْثُ كانُوا يَحْكُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ كانَ جَوابَ سُؤالِهِ مِنهم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الحِكايَةُ بِعَيْنِها هي المَحْكِيَّةُ في هُودٍ، وهُناكَ قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما زالَ عَنْهُ الرَّوْعُ وبَشَّرُوهُ، وهُنا قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما سَألَهم عَنِ الخَطْبِ، وأيْضًا قالُوا هُناكَ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] وقالُوا هَهُنا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ والحِكايَةُ مِن قَوْلِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ورَدَ السُّؤالُ أيْضًا، فَنَقُولُ إذًا قالَ قائِلٌ حاكِيًا عَنْ زَيْدٍ: قالَ زَيْدٌ عَمْرٌو خَرَجَ، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: قالَ زَيْدٌ إنْ بَكْرًا خَرَجَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِن زَيْدٍ قَوْلانِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ حاكِيًا ما قالَهُ زَيْدٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: هو أنَّهُ لَمّا خافَ جازَ أنَّهم ما قالُوا لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] فَلَمّا قالَ لَهم ماذا تَفْعَلُونَ بِهِمْ، كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لِنُهْلِكَهم، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَيُقالُ: لِماذا خَرَجْتَ ؟ فَيَقُولُ: خَرَجْتُ لِأتَّجِرَ، لَكِنَّ هَهُنا فائِدَةً مَعْنَوِيَّةً، وهي أنَّهم إنَّما قالُوا في جَوابِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ نُهْلِكُهم بِأمْرِ اللَّهِ، لِتُعْلَمَ بَراءَتُهم عَنْ إيلامِ البَرِيءِ، وإهْمالِ الرَّدِيءِ فَأعادُوا لَفْظَ الإرْسالِ، وأمّا عَنِ الثّانِي: نَقُولُ الحِكايَةُ قَدْ تَكُونُ حِكايَةَ اللَّفْظِ، كَما تَقُولُ: قالَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو مَرَرْتُ، فَيَحْكِي لَفْظَهُ المَحْكِيَّ، وقَدْ يَكُونُ حِكايَةً لِكَلامِهِ بِمَعْناهُ تَقُولُ: زَيْدٌ قالَ عَمْرٌو خَرَجَ، ولَكَ أنَّ تُبَدِّلَ مَرَّةً أُخْرى في غَيْرِ تِلْكَ الحِكايَةِ بِلَفْظَةٍ أُخْرى، فَتَقُولُ لَمّا قالَ زَيْدٌ بَكْرٌ خَرَجَ، قُلْتُ كَيْتَ وكَيْتَ، كَذَلِكَ هَهُنا القُرْآنُ لَفْظٌ مُعْجِزٌ، وما صَدَرَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ نَبِيَّنا عَلَيْهِ السَّلامُ سَواءً كانَ مِنهم، وسَواءً كانَ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُعْجِزًا، فَيَلْزَمُ أنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الحِكاياتُ بِتِلْكَ الألْفاظِ، فَكَأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وقالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] ولَهُ أنْ يَقُولَ، إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ مَن آمَنَ بِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْكِي لَفْظَهم حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ واحِدًا، بَلْ يَحْكِي كَلامَهم بِمَعْناهُ ولَهُ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى لَفْظَهم في السَّلامِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في التَّفْسِيرِ، قالَ في المَوْضِعَيْنِ: سَلامًا وسَلامٌ ثُمَّ بَيَّنَ ما لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرَّمْيِ بِالحِجارَةِ عَلى اللّائِطِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أيُّ حاجَةٍ إلى قَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وواحِدٌ مِنهم كانَ يَقْلِبُ المَدائِنَ بِرِيشَةٍ مِن جَناحِهِ ؟ نَقُولُ: المَلِكُ القادِرُ قَدْ يَأْمُرُ الحَقِيرَ بِإهْلاكِ الرَّجُلِ الخَطِيرِ، ويَأْمُرُ الرَّجُلَ الخَطِيرَ بِخِدْمَةِ الشَّخْصِ الحَقِيرِ، إظْهارًا لِنَفاذِ أمْرِهِ، فَحَيْثُ أهْلَكَ الخَلْقَ الكَثِيرَ بِالقُمَّلِ والجَرادِ والبَعُوضِ بَلْ بِالرِّيحِ الَّتِي بِها الحَياةُ، كانَ أظْهَرَ في القُدْرَةِ وحَيْثُ أمَرَ الآلافَ مِنَ المَلائِكَةِ بِإهْلاكِ أهْلِ بَدْرٍ مَعَ قِلَّتِهِمْ كانَ أظْهَرَ في نَفاذِ الأمْرِ. وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنْ مَن يَكُونُ تَحْتَ طاعَةِ مَلِكٍ عَظِيمٍ، ويَظْهَرُ لَهُ عَدُوٌّ ويَسْتَعِينُ بِالمَلِكِ فَيُعِينُهُ بِأكابِرِ عَسْكَرِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا مِنهُ لَهُ وكُلَّما كانَ العَدُوُّ أكْثَرَ والمَدَدُ أوْفَرَ كانَ التَّعْظِيمُ أتَمَّ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَ لُوطًا بِعَشْرَةٍ ونَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، وبَيْنَ العَدَدَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ما لا يَخْفى وقَدْ ذَكَرْنا نُبَذًا مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [يس: ٢٨] .
(p-١٨٧)المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في تَأْكِيدِ الحِجارَةِ بِكَوْنِها ﴿مِن طِينٍ﴾ ؟ نَقُولُ: لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرَدَ حِجارَةً فَقَوْلُهُ: ﴿مِن طِينٍ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ مَن يَدَّعِي النَّظَرَ يَقُولُ: لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلّا حِجارَةٌ مِن طِينٍ مُدَوَّراتٌ عَلى هَيْئَةِ البَرَدِ وهَيْئَةِ البَنادِقِ الَّتِي يَتَّخِذُها الرُّماةُ، قالُوا: وسَبَبُ ذَلِكَ هو أنَّ الإعْصارَ يُصْعِدُ الغُبارَ مِنَ الفَلَواتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا عِمارَةَ فِيها، والرِّياحَ تَسُوقُها إلى بَعْضِ البِلادِ، ويَتَّفِقُ وُصُولُ ذَلِكَ إلى هَواءٍ نَدِيٍّ، فَيَصِيرُ طِينًا رَطْبًا، والرَّطْبُ إذا نَزَلَ وتَفَرَّقَ اسْتَدارَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ إذا رَمَيْتَ الماءَ إلى فَوْقُ ثُمَّ نَظَرْتَ إلَيْهِ رَأيْتَهُ يَنْزِلُ كُراتٍ مُدَوَّراتٍ كاللَّآلِئِ الكِبارِ، ثُمَّ في النُّزُولِ إذا اتَّفَقَ أنْ تَضْرِبَهُ النِّيرانُ الَّتِي في الجَوِّ، جَعَلَتْهُ حِجارَةً كالآجُرِّ المَطْبُوخِ، فَيَنْزِلُ فَيُصِيبُ مَن قَدَّرَ اللَّهُ هَلاكَهُ، وقَدْ يَنْزِلُ كَثِيرًا في المَواضِعِ الَّتِي لا عِمارَةَ بِها فَلا يُرى ولا يُدْرى بِهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ لِأنَّ ما لا يَكُونُ ﴿مِن طِينٍ﴾ كالحَجَرِ الَّذِي في الصَّواعِقِ لا يَكُونُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُمْطِرُ وهَذا تَعَسُّفٌ، ومَن يَكُونُ كامِلَ العَقْلِ يُسْنِدُ الفِكْرَ إلى ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الإعْصارُ لَمّا وقَعَ فَإنْ وقَعَ بِحادِثٍ آخَرَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ولا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مُحْدِثٍ لَيْسَ بِحادِثٍ، فَذَلِكَ المُحْدِثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما ذَكَرَ ولَهُ أنْ يَخْلُقَ الحِجارَةَ مِن طِينٍ عَلى وجْهٍ آخَرَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا غُبارٍ، لَكِنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى الجَزْمِ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وما لا يَصِلُ العَقْلَ إلَيْهِ يَجِبُ أخْذُهُ بِالنَّقْلِ، والنَّصُّ ورَدَ بِهِ فَأخَذْنا بِهِ ولا نَعْلَمُ الكَيْفِيَّةَ وإنَّما المَعْلُومُ أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي مِن طِينٍ نُزُولُها مِنَ السَّماءِ أغْرَبُ وأعْجَبُ مَن غَيْرِها؛ لِأنَّها في العادَةِ لا بُدَّ لَها مِن مُكْثٍ في النّارِ.
{"ayah":"لِنُرۡسِلَ عَلَیۡهِمۡ حِجَارَةࣰ مِّن طِینࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











