الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ مُناسِبٌ لِما تَقَدَّمَ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، أمّا إذا قُلْنا بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (لَدَيَّ) أنَّ قَوْلَهُ: (فَألْقِياهُ) وقَوْلَ القائِلِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] لا تَبْدِيلَ لَهُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ﴾ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ العَنِيدِ فَلا يَكُونُ هو ظَلّامًا لِلْعَبِيدِ. وأمّا إذا قُلْنا بِأنَّ المُرادَ لا ﴿يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ بَلْ كانَ الواجِبُ التَّبْدِيلَ قَبْلَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيَّ فَكَذَلِكَ لِأنَّهُ أنْذَرَ مِن قَبْلُ، وما عَذَّبَ إلّا بَعْدَ أنْ أرْسَلَ وبَيَّنَ السُّبُلَ، وفِيهِ مَباحِثُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ. أمّا اللَّفْظِيَّةُ فَهي في الباءِ مِن قَوْلِهِ: ”لَيْسَ بِظَلّامٍ“ وفي اللّامِ مِن قَوْلِهِ: (لِلْعَبِيدِ) أمّا الباءُ فَنَقُولُ الباءُ تَدْخُلُ في المَفْعُولِ بِهِ حَيْثُ لا يَكُونُ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِهِ ظاهِرًا ولا يَجُوزُ إدْخالُها فِيهِ حَيْثُ يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ، ويَجُوزُ الإدْخالُ والتَّرْكُ حَيْثُ لا يَكُونُ في غايَةِ الظُّهُورِ ولا في غايَةِ الخَفاءِ، فَلا يُقالُ ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ لِظُهُورِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِزَيْدٍ، ولا يُقالُ خَرَجْتُ وذَهَبْتُ زَيْدًا بَدَلَ قَوْلِنا خَرَجْتُ وذَهَبْتُ بِزَيْدٍ لِخَفاءِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِزَيْدٍ فِيهِما، ويُقالُ شَكَرْتُهُ لَهُ لِلتَّوَسُّطِ فَكَذَلِكَ خَبَرُ ما لَمّا كانَ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ، ولَيْسَ في كَوْنِهِ فِعْلًا غَيْرَ ظاهِرٍ غايَةَ الظُّهُورِ؛ لِأنَّ إلْحاقَ الضَّمائِرِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالأفْعالِ الماضِيَةِ كالتّاءِ والنُّونِ في قَوْلِكَ: لَسْتَ ولَسْتُمْ ولَسْتُنَّ ولَسْنا يُصَحِّحُ كَوْنَها فِعْلًا كَما في قَوْلِكَ كُنْتُ وكُنّا، لَكِنْ في الِاسْتِقْبالِ يَبِينُ الفَرْقُ حَيْثُ نَقُولُ يَكُونُ وتَكُونُ، وكُنْ، ولا نَقُولُ ذَلِكَ في لَيْسَ وما يُشَبَّهُ بِها فَصارَتا كالفِعْلِ الَّذِي لا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ غايَةَ الظُّهُورِ، فَجازَ أنْ يُقالَ لَيْسَ زَيْدٌ جاهِلًا ولَيْسَ زَيْدٌ بِجاهِلٍ، كَما يُقالُ مَسَحْتُهُ ومَسَحْتُ بِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، ولَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ كانَ زَيْدٌ بِخارِجٍ وصارَ عَمْرٌو بِدارِجٍ لِأنَّ صارَ وكانَ فِعْلٌ ظاهِرٌ غايَةَ الظُّهُورِ بِخِلافِ لَيْسَ وما النّافِيَةِ، وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: (ما هَذا بَشَرًا) وهَذا ظاهِرٌ. البَحْثُ الثّانِي: لَوْ قالَ قائِلٌ: كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ إخْلاءُ خَبَرِ ما عَنِ الباءِ، كَما لا يَجُوزُ إدْخالُ الباءِ في خَبَرِ كانَ، وخَبَرُ لَيْسَ يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ وتَقْرِيرُ هَذا السُّؤالِ هو أنَّ كانَ لَمّا كانَ فِعْلًا ظاهِرًا جَعَلْناهُ بِمَنزِلَةِ ضَرَبَ حَيْثُ مَنَعْنا دُخُولَ الباءِ في خَبَرِهِ كَما مَنَعْناهُ في مَفْعُولِهِ، ولَيْسَ لَمّا كانَ فِعْلًا مِن وجْهٍ نَظَرًا إلى قَوْلِنا لَسْتَ ولَسْنا (p-١٤٨)ولَسْتُمْ، ولَمْ يَكُنْ فِعْلًا ظاهِرًا نَظَرًا إلى صِيَغِ الِاسْتِقْبالِ والأمْرِ جَعَلْناهُ مُتَوَسِّطًا وجَوَّزْنا إدْخالَ الباءِ في خَبَرِهِ وتَرْكَهُ، كَما قُلْنا في مَفْعُولِ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وما لَمّا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بِوَجْهٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الَّذِي لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ إلّا بِالحَرْفِ وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجِيءَ خَبَرُهُ إلّا مَعَ الباءِ كَما لا يَجِيءُ مَفْعُولُ ذَهَبَ إلّا مَعَ الباءِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنّا فَرَّقْنا بَيْنَ ما ولَيْسَ وكانَ، وجَعَلَنا لِكُلِّ واحِدَةِ مَرْتَبَةً لَيْسَتْ لِلْأُخْرى فَجَوَّزْنا تَأْخِيرَ كانَ في اللَّفْظِ حَيْثُ جَوَّزْنا أنْ يَقُولَ القائِلُ زَيْدٌ خارِجًا كانَ، وما جَوَّزْنا زَيْدٌ خارِجًا لَيْسَ؛ لِأنَّ كانَ فِعْلٌ ظاهِرٌ ولَيْسَ دُونَهُ في الظُّهُورِ، وما جَوَّزْنا تَأْخِيرَ ما عَنْ أحَدِ شَطْرَيِ الكَلامِ أيْضًا بِخِلافِ لَيْسَ، حَيْثُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ القائِلُ: زَيْدٌ ما بِظَلّامٍ، إلّا أنْ يُعِيدَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيَقُولَ زَيْدٌ ما هو بِظَلّامٍ فَصارَ بَيْنَهُما تَرْتِيبٌ ما يُوَجَّهُ، ولَيْسَ يُؤَخَّرُ عَنْ أحَدِ الشَّطْرَيْنِ ولا يُؤَخَّرُ في الكَلامِ بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ يُؤَخَّرُ بِالكُلِّيَّةِ لِما ذَكَرْنا مِنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في إلْحاقِ الباءِ كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَصِحَّ إخْلاءُ خَبَرِ ما عَنِ الباءِ، وفي لَيْسَ يَجُوزُ الأمْرانِ، وفي كانَ لا يَجُوزُ الإدْخالُ، وهَذا هو المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ حَيْثُ قالُوا: إنَّ ما بَعْدَ ما إذا جُعِلَ خَبَرًا يَجِبُ إدْخالُ الباءِ عَلَيْهِ فَإنْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ مُعَرَّبًا عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى وجْهٍ آخَرَ ولا يَكُونُ خَبَرًا، والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ هو أنْ نَقُولَ الأكْثَرُ إدْخالُ الباءِ في خَبَرِ ما ولا سِيَّما في القُرْآنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾ [فاطر: ٢٢]، ﴿وما هم بِخارِجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ [ق: ٢٩] وأمّا الوُجُوبُ فَلا لِأنَّ ما أشْبَهَ لَيْسَ في المَعْنى في الحَقِيقَةِ وخالَفَها في العَوارِضِ وهو لُحُوقُ التّاءِ والنُّونِ، وأمّا في المَعْنى فَهُما لِنَفْيِ الحالِ فالشَّبَهُ مُقْتَضٍ لِجَوازِ الإخْلاءِ، والمُخالَفَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِوُجُوبِ الإدْخالِ، لَكِنَّ ذَلِكَ المُقْتَضى أقْوى لِأنَّهُ راجِعٌ إلى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ، وهَذا راجِعٌ إلى الأمْرِ العارِضِيِّ وما بِالنَّفْسِ أقْوى مِمّا بِالعارِضِ، وأمّا التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ وُجُوبُ إدْخالِ الباءِ، وأمّا الكَلامُ في اللّامِ فَنَقُولُ اللّامُ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الإضافَةِ يُقالُ غُلامُ زَيْدٍ وغُلامٌ لِزَيْدٍ، وهَذا في الإضافاتِ الحَقِيقِيَّةِ بِإثْباتِ التَّنْوِينِ فِيهِ، وأمّا في الإضافاتِ اللَّفْظِيَّةِ كَقَوْلِنا: ضارِبُ زَيْدٍ وقاتِلُ عَمْرٍو، فَإنَّ الإضافَةَ فِيهِ غَيْرُ مَعْنَوِيَّةٍ فَإذا خَرَجَ الضّارِبُ عَنْ كَوْنِهِ مُضافًا بِإثْباتِ التَّنْوِينِ فَقَدْ كانَ يَجِبُ أنْ يُعادَ الأصْلُ، ويُنْصَبُ ما كانَ مُضافًا إلَيْهِ الفاعِلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ ولا يُؤْتى بِاللّامِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَبْقَ الإضافَةُ في اللَّفْظِ، ولَمْ تَكُنِ الإضافَةُ في المَعْنى، غَيْرَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ مُنْحَطُّ الدَّرَجَةِ عَنِ الفِعْلِ فَصارَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ أضْعَفَ مِن تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ، وصارَ مِن بابِ الأفْعالِ الضَّعِيفَةِ التَّعَلُّقِ حَيْثُ بَيَّنّا جَوازَ تَعْدِيَتِها إلى المَفْعُولِ بِحَرْفٍ وغَيْرِ حَرْفٍ، فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُقالَ: ضارِبٌ زِيدًا أوْ ضارِبٌ لِزَيْدٍ، كَما جازَ: مَسَحْتُهُ ومَسَحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وذَلِكَ إذا تَقَدَّمَ المَفْعُولُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] لِلضَّعْفِ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ فَمَباحِثُ: الأوَّلُ: الظَّلّامُ مُبالَغَةٌ في الظّالِمِ ويَلْزَمُ مِن إثْباتِهِ إثْباتُ أصْلِ الظُّلْمِ إذا قالَ القائِلُ هو كَذّابٌ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا كَثُرَ كَذِبُهُ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ نَفْيُ أصْلِ الكَذِبِ لِجَوازِ أنْ يُقالَ فُلانٌ لَيْسَ بِكَذّابٍ كَثِيرَ الكَذِبِ لَكِنَّهُ يَكْذِبُ أحْيانًا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ نَفْيُ أصْلِ الظُّلْمِ واللَّهُ لَيْسَ بِظالِمٍ فَما الوَجْهُ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الظَّلّامَ بِمَعْنى الظّالِمِ كالتَّمّارِ بِمَعْنى التّامِرِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلْعَبِيدِ) لِتَحْقِيقِ النِّسْبَةِ لِأنَّ الفَعّالَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى ذِي ظُلْمٍ، وهَذا وجْهٌ جَيِّدٌ مُسْتَفادٌ مِنَ الإمامِ زَيْنِ الدِّينِ أدامَ اللَّهُ فَوائِدَهُ. والثّانِي: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لَوْ ظَلَمْتُ عَبْدِيَ (p-١٤٩)الضَّعِيفَ الَّذِي هو مَحَلُّ الرَّحْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ غايَةَ الظُّلْمِ، وما أنا بِذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ ظَلّامًا نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا، ويُحَقِّقُ هَذا الوَجْهَ إظْهارُ لَفْظِ العَبِيدِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي امْتَلَأتْ جَهَنَّمُ مَعَ سِعَتِها حَتّى تَصِيحَ وتَقُولَ لَمْ يَبْقَ لِي طاقَةٌ بِهِمْ، ولَمْ يَبْقَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَهم فَهَلْ مِن مَزِيدٍ، اسْتِفْهامُ اسْتِكْثارٍ، فَذَلِكَ اليَوْمُ مَعَ أنِّي أُلْقِي فِيها عَدَدًا لا حَصْرَ لَهُ لا أكُونُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّعْذِيبِ كَثِيرَ الظُّلْمِ وهَذا مُناسِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ النَّفْيَ بِالزَّمانِ حَيْثُ قالَ: ما أنا بِظَلّامٍ يَوْمَ نَقُولُ: أيْ وما أنا بِظَلّامٍ في جَمِيعِ الأزْمانِ أيْضًا، وخَصَّصَ بِالعَبِيدِ حَيْثُ قالَ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ولَمْ يُطْلِقْ، فَكَذَلِكَ خَصَّصَ النَّفْيَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الظُّلْمِ ولَمْ يُطْلِقْ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي حَقَّ غَيْرِ العَبِيدِ وإنْ خَصَّصَ، والفائِدَةُ في التَّخْصِيصِ أنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ مِنَ التَّعْمِيمِ. والثّالِثُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، لِأنَّهُ نَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا ولَمْ يَلْزَمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظالِمًا، ونَفى كَوْنَهُ ظَلّامًا لِلْعَبِيدِ، ولَمْ يَلْزِمْهُ مِنهُ نَفْيُ كَوْنِهِ ظَلّامًا لِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ في حَقِّ الآدَمِيِّ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] . البَحْثُ الثّانِي: قالَ هَهُنا: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، وقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النمل: ٨١]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] عَلى وجْهِ الإضافَةِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: الكَلامُ قَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ العُمُومِ، ثُمَّ يُخَصَّصُ لِأمْرٍ ما لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ ويَكُونُ غَرَضُهُ التَّعْمِيمَ، فَإنْ سَألَ سائِلٌ: يُعْطِي مَن، ويَمْنَعُ مَن ؟ يَقُولُ: زَيْدًا وعَمْرًا، ويَأْتِي بِالمُخَصَّصِ لا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، وقَدْ يَخْرُجُ أوَّلًا مَخْرَجَ الخُصُوصِ، فَيَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي زَيْدًا مالَهُ. إذا عَلِمْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ﴾ كَلامٌ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكانَ لِلْعُمُومِ، فَأتى بِلَفْظِ العَبِيدِ لا لِكَوْنِ عَدَمِ الظُّلْمِ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ لِكَوْنِهِمْ أقْرَبَ إلى كَوْنِهِمْ مَحَلَّ الظُّلْمِ مِن نَفْسِهِ تَعالى، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَكانَ في نَفْسِهِ هادِيًا، وإنَّما أرادَ نَفْيَ ذَلِكَ الخاصِّ فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ﴾ [النَّمْلِ: ٨١] وما قالَ: ما أنْتَ بِهادٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] . البَحْثُ الثّالِثُ: العَبِيدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الكُفّارَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [يس: ٣٠] يَعْنِي أُعَذِّبُهم وما أنا بِظَلّامٍ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المُؤْمِنِينَ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لَوْ أبْدَلْتُ القَوْلَ ورَحِمْتُ الكافِرَ، لَكُنْتُ في تَكْلِيفِ العِبادِ ظالِمًا لِعِبادِيَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنِّي مَنَعْتُهم مِنَ الشَّهَواتِ لِأجْلِ هَذا اليَوْمِ، فَإنْ كانَ يَنالُ مَن لَمْ يَأْتِ بِما أتى المُؤْمِنُ ما يَنالُهُ المُؤْمِنُ، لَكانَ إتْيانُهُ بِما أتى بِهِ مِنَ الإيمانِ والعِبادَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ فائِدَةً، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيمَ. ثُمَّ قالَ تَعالى:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب