الباحث القرآني

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المُنافِقُونَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ يُسارِعُونَ في مَوَدَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ ثَرْوَةٍ وكانُوا يُعِينُونَهم عَلى مُهِمّاتِهِمْ ويُقْرِضُونَهم، ويَقُولُ المُنافِقُونَ: إنَّما نُخالِطُهم؛ لِأنّا نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الدّائِرَةُ مِن دَوائِرَ الدَّهْرِ كالدَّوْلَةِ، وهي الَّتِي تَدُورُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، والدّائِرَةُ هي الَّتِي تُخْشى، كالهَزِيمَةِ والحَوادِثِ المُخَوِّفَةِ، فالدَّوائِرُ تَدُورُ، والدَّوائِلُ تَدُولُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ الأمْرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدُورُ الأمْرُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ . (p-١٦)قالَ المُفَسِّرُونَ ”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ في خَيْرٍ فَعَلَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ لِتَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهِ ورَجائِها لَهُ، والمَعْنى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ يَقْطَعُ أصْلَ اليَهُودِ أوْ يُخْرِجُهم عَنْ بِلادِهِمْ فَيُصْبِحَ المُنافِقُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَشُكُّونَ في أمْرِ الرَّسُولِ ويَقُولُونَ: لا نَظُنُّ أنَّهُ يَتِمُّ لَهُ أمْرُهُ، والأظْهَرُ أنْ تَصِيرَ الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ لِأعْدائِهِ، وقِيلَ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ، يَعْنِي أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ فَيَنْدَمُوا عَلى فِعالِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ قِسْمَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالفَتْحِ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ . قُلْنا: قَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ مَعْناهُ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ لا يَكُونُ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، كَبَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأُعْطُوا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ مُحارِبَةٍ ولا عَسْكَرٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب