الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في نَقْضِهِمُ المِيثاقَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الثّالِثُ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ”اللَّعْنِ“ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ: لَعَنّاهم أيْ أخْرَجْناهم مِن رَحْمَتِنا.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: مَسَخْناهم حَتّى صارُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ضَرَبْنا الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ (p-١٤٨)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قَسِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِغَيْرِ ألْفٍ عَلى وزْنِ فَعِلْيَةٍ، والباقُونَ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، وفي قَوْلِهِ (قَسِيَّةً) وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ القَسِيَّةُ بِمَعْنى القاسِيَةِ إلّا أنَّ القَسِيَّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي، كَما يُقالُ: قادِرٌ وقَدِيرٌ، وعالِمٌ وعَلِيمٌ، وشاهِدٌ وشَهِيدٌ، فَكَما أنَّ القَدِيرَ أبْلَغُ مِنَ القادِرِ فَكَذَلِكَ القِسِيُّ أبْلَغُ مِنَ القاسِي.
الثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ عَلى وزْنِ شَقِيٍّ، أيْ فاسِدٌ رَدِيءٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ؛ لِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ الخالِصَيْنِ فِيهِما لِينٌ، والمَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ، وقُرِئَ (قِسِيَّةً) بِكَسْرِ القافِ لِلْإتْباعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ جَعَلْناها نائِيَةً عَنْ قَبُولِ الحَقِّ مُنْصَرِفَةً عَنِ الِانْقِيادِ لِلدَّلائِلِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ أيْ أخْبَرْنا عَنْها بِأنَّها صارَتْ قاسِيَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جَعَلَ فُلانًا فاسِقًا وعَدْلًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْضَ ما هو مِن نَتائِجِ تِلْكَ القَسْوَةِ فَقالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وهَذا التَّحْرِيفُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الباطِلَ، ويَحْتَمِلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ، وقَدْ بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ الكِتابَ المَنقُولَ بِالتَّواتُرِ لا يَتَأتّى فِيهِ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا نَصِيبًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ في كِتابِهِمْ وهو الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ وفي الخائِنَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الخائِنَةَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ، كالكافِيَةِ والعافِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ٥) أيْ بِالطُّغْيانِ. وقالَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (الواقِعَةِ: ٢) أيْ كَذِبٌ. وقالَ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (الغاشِيَةِ: ١١) أيْ لَغْوًا. وتَقُولُ العَرَبُ: سَمِعْتُ راغِيَةَ الإبِلِ، وثاغِيَةَ الشّاءِ يَعْنُونَ رُغاءَها وثُغاءَها. وقالَ الزَّجّاجُ: ويُقالُ عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً.
والثّانِي: أنْ يُقالَ: الخائِنَةُ صِفَةٌ، والمَعْنى: تَطَّلِعُ عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ أوْ عَلى فِعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ. وقِيلَ: أرادَ الخائِنَ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وقُرِئَ ”عَلى خِيانَةٍ مِنهم“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا القَلِيلُ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا عَلى العَهْدِ ولَمْ يَخُونُوا فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ عَفْوٌ وصَفْحٌ عَنِ الكُفّارِ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المَعْنى فاعْفُ عَنْ مُذْنِبِهِمْ ولا تُؤاخِذْهم بِما سَلَفَ مِنهم.
والثّانِي: أنّا إذا حَمَلْنا القَلِيلَ عَنِ الكُفّارِ مِنهُمُ الَّذِينَ بَقُوا عَلى الكُفْرِ، فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِنها أمْرُ اللَّهِ رَسُولِهِ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ عَنْ صَغائِرِ زَلّاتِهِمْ ما دامُوا باقِينَ عَلى العَهْدِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا عَفَوْتَ فَأنْتَ (p-١٤٩)مُحْسِنٌ، وإذا كُنْتَ مُحْسِنًا فَقَدْ أحَبَّكَ اللَّهُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ هُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ صَرْفَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ هو المَأْمُورُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي إلى غَيْرِ الرَّسُولِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى.
{"ayah":"فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ لَعَنَّـٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَـٰسِیَةࣰۖ یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظࣰّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَاۤىِٕنَةࣲ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق