الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ .
زِيادَةٌ في التَّسْلِيَةِ يَعْنِي كَيْفَ تَمْنَعُكَ الدُّنْيا مِن طَلَبِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ، وهي لا تَفُوتُكَ لِكَوْنِكَ مَنصُورًا غالِبًا، وإنْ فاتَتْكَ فَعَمَلُكَ غَيْرُ مُوتَرٍ، فَكَيْفَ وما يَفُوتُكَ، فَإنْ فاتَ فائِتٌ ولَمْ يُعَوَّضْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَلْتَفِتَ إلَيْها لِكَوْنِها لَعِبًا ولَهْوًا، وقَدْ ذَكَرْنا في اللَّعِبِ واللَّهْوِ مِرارًا أنَّ اللَّعِبَ ما تَشْتَغِلُ بِهِ ولا يَكُونُ فِيهِ ضَرُورَةٌ في الحالِ ولا مَنفَعَةٌ في المَآلِ، ثُمَّ إنِ اسْتَعْمَلَهُ الإنْسانُ ولَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَثْنِهِ عَنْ أشْغالِهِ المُهِمَّةِ فَهو لَعِبٌ وإنْ شَغَلَهُ ودَهَشَهُ عَنْ مُهِمّاتِهِ فَهو لَهْوٌ، ولِهَذا يُقالُ: مَلاهٍ لِآلاتِ المَلاهِي لِأنَّها مَشْغَلَةٌ عَنِ الغَيْرِ، ويُقالُ لِما دُونَهُ لَعِبٌ كاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ والحَمامِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ إعادَةٌ لِلْوَعْدِ والإضافَةُ لِلتَّعْرِيفِ، أيِ الأجْرُ الَّذِي وعَدَكم بِقَوْلِهِ: ﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحَدِيدِ: ١١]: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [المُلْكِ: ١٢]: ﴿وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحُجُراتِ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الجِهادَ لا بُدَّ لَهُ مِن إنْفاقٍ، فَلَوْ قالَ قائِلٌ أنا لا أُنْفِقُ مالِي، فَيُقالُ لَهُ: اللَّهُ لا يَسْألُكم مالَكم في الجِهاتِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الزَّكاةِ والغَنِيمَةِ وأمْوالِ المَصالِحِ فِيما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ المالِ لا تُراعُونَ بِإخْراجِهِ.
وثانِيها: الأمْوالُ لِلَّهِ وهي في أيْدِيكم عارِيَةٌ وقَدْ طَلَبَ مِنكم أوْ أجازَ لَكم في صَرْفِها في جِهَةِ الجِهادِ فَلا مَعْنى لِبُخْلِكم بِمالِهِ، وإلى هَذا إشارَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] أيِ الكُلُّ لِلَّهِ.
وثالِثُها: لا يَسْألُكم أمْوالَكم كُلَّها، وإنَّما يَسْألُكم شَيْئًا يَسِيرًا مِنها وهو رُبْعُ العُشْرِ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا لِأنَّ العُشْرَ هو الجُزْءُ الأقَلُّ إذْ لَيْسَ دُونَهُ جُزْءٌ ولَيْسَ اسْمًا مُفْرَدًا، وأمّا الجُزْءُ مِن أحَدَ عَشَرَ ومِنِ اثْنَيْ عَشَرَ و[إلى] مِائَةِ جُزْءٍ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفَتًا إلَيْهِ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ في رَأْسِ المالِ بَلْ أوْجَبَ ذَلِكَ في الرِّبْحِ الَّذِي هو مِن فَضْلِ اللَّهِ (p-٦٥)وعَطائِهِ، وإنْ كانَ رَأْسُ المالِ أيْضًا كَذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا المَعْنى في الرِّبْحِ أظْهَرُ، ولَمّا كانَ المالُ مِنهُ ما يُنْفَقُ لِلتِّجارَةِ فِيهِ ومِنهُ ما لا يُنْفَقُ، وما أُنْفِقَ مِنهُ لِلتِّجارَةِ أحَدُ قِسْمَيْهِ وهو يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ فِيهِ رابِحَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَكُونَ رابِحَةً فَصارَ القِسْمُ الواحِدُ قِسْمَيْنِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ كانَ الرِّبْحُ في رُبْعِهِ فَأوْجَبَ [رُبْعَ] عُشْرِ الَّذِي فِيهِ الرِّبْحُ وهو عُشْرٌ فَهو رُبْعُ العُشْرِ وهو الواجِبُ، فَعُلِمَ أنَّ اللَّهَ لا يَسْألُكم أمْوالَكم ولا الكَثِيرَ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ .
الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإحْفاءَ يَتْبَعُ السُّؤالَ بَيانًا لِشُحِّ الأنْفُسِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ قَدْ يَكُونُ لِلْمِثْلَيْنِ وبِالفاءِ لا يَكُونُ إلّا لِلْمُتَعاقِبَيْنِ أوْ مُتَعَلِّقَيْنِ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإحْفاءَ يَقَعُ عَقِيبَ السُّؤالِ لِأنَّ الإنْسانَ بِمُجَرَّدِ السُّؤالِ لا يُعْطِي شَيْئًا وقَوْلُهُ: ﴿تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ يَعْنِي ما طَلَبَها ولَوْ طَلَبَها وألَحَّ عَلَيْكم في الطَّلَبِ، كَيْفَ وأنْتُمْ تَبْخَلُونَ بِاليَسِيرِ لا تَبْخَلُونَ بِالكَثِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ يَعْنِي بِسَبَبِهِ فَإنَّ الطّالِبَ وهو النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ يَطْلُبُونَكم وأنْتُمْ لِمَحَبَّةِ المالِ وشُحِّ الأنْفُسِ تَمْتَنِعُونَ فَيُفْضِي إلى القِتالِ وتَظْهَرُ بِهِ الضَّغائِنُ.
{"ayahs_start":36,"ayahs":["إِنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱۚ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ یُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا یَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَ ٰلَكُمۡ","إِن یَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَیُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُوا۟ وَیُخۡرِجۡ أَضۡغَـٰنَكُمۡ"],"ayah":"إِن یَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَیُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُوا۟ وَیُخۡرِجۡ أَضۡغَـٰنَكُمۡ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











