الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِشَرْحِ كَمالِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ في حَقِّ العَبِيدِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ، فَقالُوا: إنّا بَيَّنّا في هَذا الكِتابِ أنَّ عُرْفَ القُرْآنِ جارٍ بِتَخْصِيصِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ (p-٤)[الفُرْقانِ: ٦٣] وقالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦] ولِأنَّ لَفْظَ العِبادِ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَقَعَ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ياعِبادِيَ﴾ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ هو الَّذِي يَعْتَرِفُ بِكَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَإنَّهم يُسَمُّونَ أنْفُسَهم بِعَبْدِ اللّاتِ والعُزّى وعَبْدِ المَسِيحِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وهَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُسْرِفِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غافِرًا لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ الصّادِرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، وإلّا لَزِمَ القَطْعُ بِكَوْنِ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةً قَطْعًا، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، فَما هو مَدْلُولُ هَذِهِ الآيَةِ لا تَقُولُونَ بِهِ، والَّذِي تَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، وأيْضًا إنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ مِن أوَّلِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى غَفَرَ جَمِيعَ الذُّنُوبِ قَطْعًا لَما أمَرَ عَقِيبَهُ بِالتَّوْبَةِ، ولَما خَوَّفَهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأيْضًا قالَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ولَوْ كانَتِ الذُّنُوبُ كُلُّها مَغْفُورَةً، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ ؟ وأيْضًا فَلَوْ كانَ المُرادُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ لَكانَ ذَلِكَ إغْراءً بِالمَعاصِي وإطْلاقًا في الإقْدامِ عَلَيْها، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ العاصِي أنَّهُ لا مَخْلَصَ لَهُ مِنَ العَذابِ البَتَّةَ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهو قانِطٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، إذْ لا أحَدَ مِنَ العُصاةِ المُذْنِبِينَ إلّا ومَتى تابَ زالَ عِقابُهُ وصارَ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أيْ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ.
والجَوابُ: قَوْلُهُ الآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الذُّنُوبِ مَغْفُورَةً قَطْعًا وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ، قُلْنا: بَلْ نَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ صِيغَةَ ﴿يَغْفِرُ﴾ صِيغَةُ المُضارِعِ، وهي لِلِاسْتِقْبالِ، وعِنْدَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَصاحِبُ الكَبِيرَةِ مَغْفُورٌ لَهُ قَطْعًا، إمّا قَبْلَ الدُّخُولِ في نارِ جَهَنَّمَ، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ فَهو عَيْنُ مَذْهَبِنا.
أمّا قَوْلُهُ: لَوْ صارَتِ الذُّنُوبُ بِأسْرِها مَغْفُورَةً لَما أمَرَ بِالتَّوْبَةِ، فالجَوابُ أنَّ عِنْدَنا التَّوْبَةَ واجِبَةٌ وخَوْفَ العِقابِ قائِمٌ، فَإنّا لا نَقْطَعُ بِإزالَةِ العِقابِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ نَقُولُ: لَعَلَّهُ يَعْفُو مُطْلَقًا، ولَعَلَّهُ يُعَذِّبُ بِالنّارِ مُدَّةً ثُمَّ يَعْفُو بَعْدَ ذَلِكَ، وبِهَذا الحَرْفِ يُخَرَّجُ الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الأسْئِلَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ مِن وُجُوهٍ
الأوَّلُ: أنَّهُ سَمّى المُذْنِبَ بِالعَبْدِ، والعُبُودِيَّةُ مُفَسَّرَةٌ بِالحاجَةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، واللّائِقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ إفاضَةُ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ عَلى المِسْكِينِ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَهم إلى نَفْسِهِ بِياءِ الإضافَةِ فَقالَ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ وشَرَفُ الإضافَةِ إلَيْهِ يُفِيدُ الأمْنَ مِنَ العَذابِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ ما (p-٥)عادَ إلَيْهِ بَلْ هو عائِدٌ إلَيْهِمْ، فَيَكْفِيهِمْ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ عَوْدُ مَضارِّها إلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى إلْحاقِ ضَرَرٍ آخَرَ بِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ نَهاهم عَنِ القُنُوطِ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالرَّجاءِ، والكَرِيمُ إذا أمَرَ بِالرَّجاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا الكَرَمُ.
الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ياعِبادِيَ﴾ وكانَ الألْيَقُ أنْ يَقُولَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِي، لَكِنَّهُ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وقالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ قَوْلَنا: ﴿اللَّهِ﴾ أعْظَمُ أسْماءِ اللَّهِ وأجْلُّها، فالرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلَيْهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ.
السّادِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ أعادَ اسْمَ اللَّهِ وقَرَنَ بِهِ لَفْظَةَ ”إنَّ“ المُفِيدَةَ لِأعْظَمِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ.
السّابِعُ: أنَّهُ لَوْ قالَ: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، لَكِنَّهُ أرْدَفَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾ وهَذا أيْضًا مِنَ المُؤَكِّداتِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا، ولَفْظُ الغَفُورِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ.
التّاسِعُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحِيمًا والرَّحْمَةُ تُفِيدُ فائِدَةً عَلى المَغْفِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إشارَةً إلى إزالَةِ مُوجِباتِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ إشارَةً إلى تَحْصِيلِ مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ.
العاشِرُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا غَفُورَ ولا رَحِيمَ إلّا هو، وذَلِكَ يُفِيدُ الكَمالَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ العَشَرَةُ مَجْمُوعَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهي بِأسْرِها دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها والنَّجاةَ مِنَ العِقابِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا.
قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ مَكَّةَ فَإنَّهم قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ وقَتَلَ النَّفْسَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وقَدْ عَبَدْنا وقَتَلْنا فَكَيْفَ نُسْلِمُ؟ .
وقِيلَ: نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ لَمّا أرادَ أنْ يُسْلِمَ وخافَ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أسْلَمَ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً؟ فَقالَ: «بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ أصابُوا ذُنُوبًا عِظامًا في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أشْفَقُوا أنْ لا يَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا فافْتُتِنُوا، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ فِيهِمْ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنهم تَوْبَتَهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكَتَبَها عُمَرُ وبَعَثَ بِها إلَيْهِمْ فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا، واعْلَمْ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَنُزُولُ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ الوَقائِعِ لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿ياعِبادِيَ﴾ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ، وعاصِمٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِغَيْرِ فَتْحٍ، وكُلُّهم يَقِفُونَ عَلَيْهِ بِإثْباتِ الياءِ؛ لِأنَّها ثابِتَةٌ في المُصْحَفِ، إلّا في بَعْضِ رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَإنَّهُ يَقِفُ بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ”تَقْنِطُوا“ بِكَسْرِ النُّونِ والباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ”يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشاءُ“
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أيْ وتُوبُوا إلَيْهِ ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾ أيْ وأخْلِصُوا لَهُ العَمَلَ، وإنَّما ذَكَرَ الإنابَةَ عَلى أثَرِ المَغْفِرَةِ؛ لِئَلّا يَطْمَعَ طامِعٌ في حُصُولِها بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها شَرْطٌ فِيها لازِمٌ لا تَحْصُلُ بِدُونِهِ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ عِنْدَنا التَّوْبَةَ عَنِ المَعاصِي واجِبَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن وُرُودِ الأمْرِ بِها طَعْنٌ في الوَعْدِ بِالمَغْفِرَةِ، فَإنْ قالُوا: لَوْ كانَ الوَعْدُ بِالمَغْفِرَةِ حاصِلًا قَطْعًا لَما احْتِيجَ إلى التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تُرادُ لِإسْقاطِ العِقابِ، فَإذا سَقَطَ العِقابُ بِعَفْوِ اللَّهِ عَنْهُ فَلا حاجَةَ إلى التَّوْبَةِ، فَنَقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ (p-٦)مَذْهَبَنا أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ قَطْعًا ويَعْفُو عَنْها قَطْعًا إلّا أنَّ هَذا العَفْوَ والغُفْرانَ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: تارَةً يَقَعُ ابْتِداءً وتارَةً يُعَذِّبُ مُدَّةً في النّارِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنَ النّارِ ويَعْفُو عَنْهُ، فَفائِدَةُ التَّوْبَةِ إزالَةُ هَذا العِقابِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ضَعِيفٌ ولا فائِدَةَ فِيهِ.
{"ayahs_start":53,"ayahs":["۞ قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ","وَأَنِیبُوۤا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ"],"ayah":"۞ قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











