الباحث القرآني
فِي التَّرْتِيبِ وجْهانِ:
قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ أصْلَيْنِ مِنَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، وهي الوَحْدانِيَّةُ والرِّسالَةُ والحَشْرُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ مِنها، وهَهُنا ذَكَرَ الأصْلَيْنِ الوَحْدانِيَّةَ والحَشْرَ، أمّا الوَحْدانِيَّةُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ وأمّا الحَشْرُ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمّا ذَكَرَهُما وبَيَّنَهُما ذَكَرَ الأصْلَ الثّالِثَ وهو الرِّسالَةُ فَقالَ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُعَلَّمٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَعَلَّمَهُ ما أرادَ ولَمْ يُعَلِّمْهُ ما لَمْ يُرِدْ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: خُصَّ الشِّعْرُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ، مَعَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَنْسُبُونَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أشْياءَ مِن جُمْلَتِها السِّحْرُ، ولَمْ يَقُلْ وما عَلَّمْناهُ السِّحْرَ وكَذَلِكَ كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكِهانَةِ، ولَمْ يَقُلْ وما عَلَّمْناهُ الكِهانَةَ، فَنَقُولُ: أمّا الكِهانَةُ فَكانُوا يَنْسُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلَيْها عِنْدَما كانَ يُخْبِرُ عَنِ الغُيُوبِ ويَكُونُ كَما يَقُولُ.
وأمّا السِّحْرُ: فَكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ عِنْدَما كانَ يَفْعَلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الغَيْرُ كَشَقِّ القَمَرِ وتَكَلُّمِ الحَصى والجِذْعِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأمّا الشِّعْرُ: فَكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ عِنْدَما كانَ يَتْلُو القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُ ﷺ ما كانَ يَتَحَدّى إلّا بِالقُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: (p-٩٢)﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن رِسالَتِي فَأنْطِقُوا الجُذُوعَ أوْ أشْبِعُوا الخَلْقَ العَظِيمَ أوْ أخْبِرُوا بِالغُيُوبِ، فَلَمّا كانَ تَحَدِّيهِ ﷺ بِالكَلامِ وكانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الشِّعْرِ عِنْدَ الكَلامِ خُصَّ الشِّعْرُ بِنَفْيِ التَّعْلِيمِ.
البَحْثُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ قُلْنا: قالَ قَوْمٌ: ما كانَ يَتَأتّى لَهُ، وآخَرُونَ: ما يَتَسَهَّلُ لَهُ حَتّى أنَّهُ إنْ تَمَثَّلَ بَيْتَ شِعْرٍ سُمِعَ مِنهُ مُزاحَفًا، يُرْوى أنَّهُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ» .
وفِيهِ وجْهٌ أحْسَنُ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يُحْمَلَ ما يَنْبَغِي لَهُ عَلى مَفْهُومِهِ الظّاهِرِ وهو أنَّ الشِّعْرَ ما كانَ يَلِيقُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّعْرَ يَدْعُو إلى تَغْيِيرِ المَعْنى لِمُراعاةِ اللَّفْظِ والوَزْنِ، فالشّارِعُ يَكُونُ اللَّفْظُ مِنهُ تَبَعًا لِلْمَعْنى، والشّاعِرُ يَكُونُ المَعْنى مِنهُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، يَقْصِدُ لَفْظًا بِهِ يَصِحُّ وزْنُ الشِّعْرِ أوْ قافِيَتُهُ فَيُحْتاجُ إلى التَّحَيُّلِ لِمَعْنًى يَأْتِي بِهِ لِأجْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وعَلى هَذا نَقُولُ: الشِّعْرُ هو الكَلامُ المَوْزُونُ الَّذِي قُصِدَ إلى وزْنِهِ قَصْدًا أوَّلِيًّا، وأمّا مَن يَقْصِدُ المَعْنى فَيَصْدُرُ مَوْزُونًا مُقَفًّى فَلا يَكُونُ شاعِرًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] لَيْسَ بِشِعْرٍ، والشّاعِرُ إذا صَدَرَ مِنهُ كَلامٌ فِيهِ مُتَحَرِّكاتٌ وساكِناتٌ بِعَدَدِ ما في الآيَةِ تَقْطِيعُهُ بِفاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ يَكُونُ شِعْرًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ الإتْيانَ بِألْفاظٍ حُرُوفُها مُتَحَرِّكَةٌ وساكِنَةٌ كَذَلِكَ والمَعْنى تَبِعَهُ، والحَكِيمُ قَصَدَ المَعْنى فَجاءَ عَلى تِلْكَ الألْفاظِ، وعَلى هَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنْ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ بَيْتَ شِعْرٍ وهو قَوْلُهُ:
؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
أوْ بَيْتَيْنِ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ إلى الوَزْنِ والقافِيَةِ، وعَلى هَذا لَوْ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَلامٌ كَثِيرٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى لا يَكُونُ شِعْرًا، لِعَدَمِ قَصْدِهِ اللَّفْظَ قَصْدًا أوَّلِيًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّكَ إذا تَتَبَّعْتَ كَلامَ النّاسِ في الأسْواقِ تَجِدُ فِيهِ ما يَكُونُ مَوْزُونًا واقِعًا في بَحْرٍ مِن بُحُورِ الشِّعْرِ ولا يُسَمّى المُتَكَلِّمُ بِهِ شاعِرًا ولا الكَلامُ شِعْرًا لِفَقْدِ القَصْدِ إلى اللَّفْظِ أوَّلًا، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ المَعْنى أيْ هو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْقَصْدِ إلى المَعْنى، والشِّعْرُ لَفْظٌ مُزَخْرَفٌ بِالقافِيَةِ والوَزْنِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ:
وهِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» يَعْنِي: قَدْ يَقْصِدُ الشّاعِرُ اللَّفْظَ فَيُوافِقُهُ مَعْنًى حِكَمِيٌّ كَما أنَّ الحَكِيمَ قَدْ يَقْصِدُ مَعْنًى فَيُوافِقُهُ وزْنٌ شِعْرِيٌّ، لَكِنَّ الحَكِيمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَزْنِ لا يَصِيرُ شاعِرًا، والشّاعِرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذِّكْرِ يَصِيرُ حَكِيمًا، حَيْثُ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ شِعْرَهَ حِكْمَةً، ونَفى اللَّهُ كَوْنَ النَّبِيِّ شاعِرًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ قالَبُ المَعْنى والمَعْنى قَلْبُ اللَّفْظِ ورُوحُهُ فَإذا وُجِدَ القَلْبُ لا نَظَرَ إلى القالَبِ، فَيَكُونُ الحَكِيمُ المَوْزُونُ كَلامُهُ حَكِيمًا، ولا يُخْرِجُهُ عَنِ الحِكْمَةِ وزْنُ كَلامِهِ، والشّاعِرُ المُوعِظُ كَلامُهُ حَكِيمٌ.
{"ayahs_start":69,"ayahs":["وَمَا عَلَّمۡنَـٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا یَنۢبَغِی لَهُۥۤۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ وَقُرۡءَانࣱ مُّبِینࣱ","لِّیُنذِرَ مَن كَانَ حَیࣰّا وَیَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ"],"ayah":"لِّیُنذِرَ مَن كَانَ حَیࣰّا وَیَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











