الباحث القرآني
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ولَها مُناسَبَةٌ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ بِإحْياءِ الأرْضِ وهي مَكانُ الحَيَواناتِ بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ، بَلْ جَعَلَ لِلْإنْسانِ طَرِيقًا يُتَّخَذُ مِنَ البَحْرِ خَيْرًا ويَتَوَسَّطُهُ أوْ يَسِيرُ فِيهِ كَما يَسِيرُ في البَرِّ، وهَذا حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (يس: ٤٢) إذا فَسَّرْناهُ بِأنَّ المُرادَ الإبِلُ فَإنَّها كَسُفُنِ البَرارِيِّ.
وثانِيهِما: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ سِباحَةَ الكَواكِبِ في الأفْلاكِ، وذَكَرَ ما هو مِثْلُهُ وهو سِباحَةُ الفُلْكِ في البِحارِ.
ولَها وجْهٌ ثالِثٌ: وهي أنَّ الأُمُورَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عِبادِهِ مِنها ضَرُورِيَّةٌ ومِنها نافِعَةٌ، والأوَّلُ لِلْحاجَةِ، والثّانِي لِلزِّينَةِ، فَخَلْقُ الأرْضِ وإحْياؤُها مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، فَإنَّها المَكانُ الَّذِي لَوْلاهُ لَما وُجِدَ الإنْسانُ، ولَوْلا إحْياؤُها لَما عاشَ واللَّيْلُ والنَّهارُ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ أيْضًا مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ، لِأنَّهُ الزَّمانُ الَّذِي (p-٦٩)لَوْلاهُ لَما حَدَثَ الإنْسانُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ وحَرَكَتُهُما لَوْ لَمْ تَكُنْ لَما عاشَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ آيَتَيْنِ ذَكَرَ مِنَ القَبِيلِ الثّانِي وهو الزِّينَةُ آيَتَيْنِ:
إحْداهُما: الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ، فَيُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) .
وثانِيَتُهُما: الدَّوابُّ الَّتِي هي في البَرِّ كالفُلْكِ في البَحْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (يس: ٤٢) فَإنَّ الدَّوابَّ زِينَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٦) فَيَكُونُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ بِالضَّرُورِيِّ والنّافِعِ، لا يُقالُ بِأنَّ النّافِعَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ فَإنَّها لِلزِّينَةِ؛ لِأنّا نَقُولُ ذَلِكَ حَصَلَ تَبَعًا لِلضَّرُورِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ الأرْضَ مُنْبِتَةً لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ، وأنْزَلَ الماءَ عَلَيْها، كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ النَّخِيلَ والأعْنابَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وأمّا الفُلْكُ فَمَقْصُودٌ لا تَبَعٌ، ثُمَّ إذا عُلِمَتِ المُناسَبَةُ، فَفي الآياتِ أبْحاثٌ لُغَوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ:
أمّا اللُّغَوِيَّةُ فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: الذُّرِّيَّةُ هُمُ الآباءُ أيْ حَمَلْنا آباءَكم في الفُلْكِ، والألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ؛ أيْ فُلْكِ نُوحٍ وهو مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ (هُودٍ: ٣٧) ومَعْلُومٌ عِنْدَ العَرَبِ فَقالَ الفُلْكَ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وأمّا الأكْثَرُونَ فَعَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَلَدِ، وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن بَيانِ المَعْنى، فَنَقُولُ: الفُلْكُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الفُلْكَ المُعَيَّنَ الَّذِي كانَ لِنُوحٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ الجِنْسَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ١٢) وقالَ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٦٥) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالِ لامِ التَّعْرِيفِ في الفُلْكِ لِبَيانِ الجِنْسِ، فَإنْ كانَ المُرادُ سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ أنّا حَمَلْنا أوْلادَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ في ذَلِكَ الفُلْكِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما بَقِيَ لِلْآدَمِيِّ نَسْلٌ ولا عَقِبٌ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بَدَلُ قَوْلِهِ: حَمَلْناهم، إشارَةٌ إلى كَمالِ النِّعْمَةِ؛ أيْ لَمْ تَكُنِ النِّعْمَةُ مُقْتَصِرَةً عَلَيْكم، بَلْ مُتَعَدِّيَةً إلى أعْقابِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ يُقالَ عَلى هَذا: إنَّهُ تَعالى إنَّما خَصَّ الذُّرِّيَّةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ، فَقالَ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم، وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن حَمَلَ صُنْدُوقًا لا قِيمَةَ لَهُ وفِيهِ جَواهِرُ، إذا قِيلَ لَهُ: لِمَ تَحْمِلُ هَذا الصُّنْدُوقَ وتَتْعَبُ في حَمْلِهِ وهو لا يُشْتَرى بِشَيْءٍ ؟ يَقُولُ: لا أحْمِلُ الصُّنْدُوقَ وإنَّما أحْمِلُ ما فِيهِ.
الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ الجِنْسُ مَعْناهُ حَمَلْنا أجْناسَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّ ولَدَ الحَيَوانِ مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، والذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلى النِّساءِ «نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ»، أيِ النِّساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ وإنْ كانَتْ صِنْفًا غَيْرَ صِنْفِ الرَّجُلِ لَكِنَّها مِن جِنْسِهِ ونَوْعِهِ، يُقالُ: ذَرارِينا أيْ أمْثالُنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ أمْثالَهم وآباؤُهم حِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِمْ.
الثّالِثُ: هو أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ عائِدٌ إلى العِبادِ حَيْثُ قالَ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إذا عُلِمَ هَذا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وآيَةٌ لِلْعِبادِ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٢٩) ويُرِيدُ بَعْضَهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ (p-٧٠)إذا تَقاتَلَ قَوْمٌ وماتَ الكُلُّ في القِتالِ، يُقالُ: هَؤُلاءِ القَوْمُ هم قَتَلُوا أنْفُسَهم، فَهم في المَوْضِعَيْنِ يَكُونُ عائِدًا إلى القَوْمِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ، بَلِ المُرادُ أنَّ بَعْضَهم قَتَلَ بَعْضًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾ أيْ آيَةٌ لِكُلِّ بَعْضٍ مِنهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّةً عَلى بَعْضٍ مِنهم، أوْ ذُرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم.
وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ جِنْسُ الفُلْكِ فَهو أظْهَرُ، لِأنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ لَمْ تَكُنْ بِحَضْرَتِهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا مَن حُمِلَ فِيها، فَأمّا جِنْسُ الفُلْكِ فَإنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى في سَفِينَةِنُوحٍ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥) أيْ بِوُجُودِ جِنْسِها ومِثْلِها، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (لُقْمانَ: ٣١) فَنَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ ذُرِّيّاتِ العِبادِ، ولَمْ يَقُلْ: حَمَلْناهم، لِأنَّ سُكُونَ الأرْضِ عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ يَسْكُنُها، فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ لِأنَّ الأكْلَ عامٌّ، وأمّا الحَمْلُ في السَّفِينَةِ فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَرْكَبُها في عُمْرِهِ ولا يُحْمَلُ فِيها، ولَكِنْ ذُرِّيَّةُ العِبادِ لا بُدَّ لَهم مِن ذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يَحْتاجُ إلَيْها فَيُحْمَلُ فِيها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جُعِلَ الفُلْكُ تارَةً جَمْعًا حَيْثُ قالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ (فاطِرٍ: ١٢) وأُخْرى فَرْدًا حَيْثُ قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ نَقُولُ: فِيهِ تَدْقِيقٌ مَلِيحٌ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ، وهو أنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ حَرَكَتُها مِثْلَ حَرَكَةِ تِلْكَ الكَلِمَةِ في الصُّورَةِ، والحَرَكَتانِ مُخْتَلِفَتانِ في المَعْنى، مِثالُها قَوْلُكَ: سَجَدَ يَسْجُدُ سُجُودًا لِلْمَصْدَرِ، وهم قَوْمٌ سُجُودٌ في جَمْعِ ساجِدٍ، تَظُنُّ أنَّهُما كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ السُّجُودُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا حَرَكَتُهُ أصْلِيَّةٌ إذا قُلْنا: إنَّ الفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، وحَرَكَةُ السُّجُودِ عِنْدَ كَوْنِهِ لِلْجَمْعِ حَرَكَةٌ مُتَغَيِّرَةٌ مِن حَيْثُ إنَّ الجَمْعَ يُشْتَقُّ مِنَ الواحِدِ، ويَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَ المُشْتَقَّ تَغْيِيرٌ في حَرَكَةٍ أوْ حَرْفٍ أوْ في مَجْمُوعِهِما، فَساجِدٌ لَمّا أرَدْنا أنْ يُشْتَقَّ مِنهُ لَفْظُ جَمْعٍ غَيَّرْناهُ، وجِئْنا بِلَفْظِ السُّجُودِ، فَإذًا السُّجُودُ لِلْمَصْدَرِ والجَمْعُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي وُضِعَتْ بِحَرَكَةٍ واحِدَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الفُلْكُ عِنْدَ كَوْنِهِ واحِدًا مِثْلُ قُفْلٍ وبُرْدٍ، وعِنْدَ كَوْنِها جَمْعًا مِثْلُ خُشُبٍ ومُرُدٍ وغَيْرِهِما، فَإنْ قُلْتَ: فَإذا جَعَلْتَهُ جَمْعًا ماذا يَكُونُ واحِدُها ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَكُونَ واحِدُها فُلْكَةً أوْ غَيْرَها مِمّا لَمْ يُسْتَعْمَلْ كَواحِدِ النِّساءِ حَيْثُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، وكَذا القَوْلُ في: ﴿إمامٍ مُبِينٍ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ (الإسْراءِ: ٧١) أيْ بِأئِمَّتِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إمامٍ مُبِينٍ﴾ إمّا كَزِمامٍ وكِتابٍ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ إمامٌ كَسِهامٍ وكِرامٍ وجِعابٍ، وهَذا مِن دَقِيقِ التَّصْرِيفِ.
وأمّا المَعْنَوِيَّةُ: فَنَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ هَهُنا: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ ذُرِّيَّتِهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) مَنَّ هُناكَ عَلَيْهِمْ بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ، نَقُولُ: لِأنَّ مَن يَنْفَعُ المُتَعَلِّقَ بِالغَيْرِ يَكُونُ قَدْ نَفَعَ ذَلِكَ الغَيْرَ، ومَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَلى المُتَعَلِّقِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ قَدْ دَفَعَ الضَّرَرَ عَنْ ذَلِكَ الغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ قَدْ نَفَعَهُ، مِثالُهُ: مَن أحْسَنَ إلى ولَدِ إنْسانٍ وفَرَّحَهُ فَرِحَ بِفَرَحِهِ أبُوهُ، وإذا دَفَعَ واحِدٌ الألَمَ عَنْ ولَدِ إنْسانٍ يَكُونُ قَدْ فَرَّحَ أباهُ، ولا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ قَدْ أزالَ الألَمَ عَنْ أبِيهِ، عِنْدَ طُغْيانِ الماءِ كانَ الضَّرَرُ يَلْحَقُهم، فَقالَ: دَفَعْتُ عَنْكُمُ الضَّرَرَ، ولَوْ قالَ: دَفَعْتُ عَنْ أوْلادِكُمُ الضَّرَرَ لَما حَصَلَ بَيانُ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم، وهَهُنا أرادَ بَيانَ المَنافِعِ، فَقالَ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (p-٧١)لِأنَّ النَّفْعَ حاصِلٌ بِنَفْعِ الذُّرِّيَّةِ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّ هَهُنا قالَ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ فَإنَّ امْتِلاءَ الفُلْكِ مِنَ الأمْوالِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَيانُ المَنفَعَةِ، وأمّا دَفْعُ المَضَرَّةِ فَلا، لِأنَّ الفُلْكَ كُلَّما كانَ أثْقَلَ كانَ الخَلاصُ بِهِ أبْطَأ وهُنالِكَ السَّلامَةُ، فاخْتارَ هُنالِكَ ما يَدُلُّ عَلى الخَلاصِ مِنَ الضَّرَرِ وهو الجَرْيُ، وهَهُنا ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَنفَعَةِ وهو الشَّحْنُ، فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) ولَمْ يَقُلْ: وحَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم مَعَ أنَّ المَقْصُودَ في المَوْضِعَيْنِ بَيانُ النِّعْمَةِ، لا دَفْعُ النِّقْمَةِ، نَقُولُ لَمّا قالَ: ﴿فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَمَّ الخَلْقَ، لِأنَّ ما مِن أحَدٍ إلّا حُمِلَ في البَرِّ أوِ البَحْرِ، وأمّا الحَمْلُ في البَحْرِ فَلَمْ يَعُمَّ، فَقالَ: إنْ كُنّا ما حَمَلْناكم بِأنْفُسِكم فَقَدْ حَمَلْنا مَن يُهِمُّكم أمْرُهُ مِنَ الأوْلادِ والأقارِبِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿المَشْحُونِ﴾ يُفِيدُ فائِدَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرْنا، وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَرْسُبُ في الماءِ ويَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ في الفُلْكِ واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَن يَقُولُ: الخَفِيفُ لا يَرْسُبُ في الماءِ؛ لِأنَّ الخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقالَ: ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أثْقَلُ مِنَ الثِّقالِ الَّتِي تَرْسُبُ، ومَعَ هَذا حَمَلَ اللَّهُ الإنْسانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإنْ قالُوا ذَلِكَ لِامْتِناعِ الخَلاءِ، نَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى جَوازِ الخَلاءِ في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ، فَإذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الماءِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ وقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ جَعَلْناها بِحَيْثُ تَحْمِلُهم، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَهم في الفُلْكِ هو العَجَبُ.
أمّا نَفْسُ الفُلْكِ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ؛ لِأنَّهُ كَبَيْتٍ مَبْنِيٍّ مِن خَشَبٍ.
وأمّا نَفْسُ الأرْضِ فَعَجَبٌ ونَفْسُ اللَّيْلِ عَجَبٌ لا قُدْرَةَ عَلَيْهِما لِأحَدٍ إلّا اللَّهُ.
{"ayah":"وَءَایَةࣱ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّیَّتَهُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











