الباحث القرآني
وقَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَهو مَقامُ إبْراهِيمَ ومَقَرُّهُ والمَوْضِعُ الَّذِي اخْتارَهُ وعَبَدَ اللَّهَ فِيهِ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الخِلالِ الَّتِي بِها يُشَرَّفُ ويُعَظَّمُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ تَفْسِيرَ الآياتِ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: هي مَقامُ إبْراهِيمَ.
فَإنْ قِيلَ: الآياتُ جَماعَةٌ ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُها بِشَيْءٍ واحِدٍ، أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ ما كانَ مُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وحَياتِهِ وكَوْنِهِ غَنِيًّا مُنَزَّهًا مُقَدَّسًا عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ، فَمَقامُ إبْراهِيمَ وإنْ كانَ شَيْئًا واحِدًا إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ فِيهِ هَذِهِ الوُجُوهُ الكَثِيرَةُ كانَ بِمَنزِلَةِ الدَّلائِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] . الثّانِي: أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ اشْتَمَلَ عَلى الآياتِ، لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَّخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، لِأنَّهُ لانَ مِنَ الصَّخْرَةِ ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَطْ، وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ آيَةٌ خاصَّةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِفْظُهُ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ والمُلْحِدِينَ أُلُوفَ سِنِينَ، فَثَبَتَ أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ آياتٌ كَثِيرَةٌ. الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِن بَقِيَّةِ تَفْسِيرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ، ولَفْظُ الجَمْعِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الِاثْنَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الِاثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ» “ ومِنهم مَن تَمَّمَ الثَّلاثَةَ فَقالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وأنَّ لِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجَّهُ، ثُمَّ حَذَفَ (أنْ) اخْتِصارًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] أيْ أمَرَ رَبِّي بِأنْ تُقْسِطُوا. الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأمْنُ مَن دَخَلَهَ، وكَثِيرٌ سِواهُما. الخامِسُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ: (آيَةٌ بَيِّنَةٌ) عَلى التَّوْحِيدِ. السّادِسُ: قالَ المُبَرِّدُ: (مَقامُ) مَصْدَرٌ فَلَمْ يُجْمَعْ كَما قالَ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] والمُرادُ مَقاماتُ إبْراهِيمَ، وهي ما أقامَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أُمُورِ الحَجِّ وأعْمالِ المَناسِكِ ولا شَكَّ أنَّها كَثِيرَةٌ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالآياتِ شَعائِرُ الحَجِّ كَما قالَ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] .
(p-١٣٢)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ. أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ وضَعُفَ إبْراهِيمُ عَنْ رَفْعِ الحِجارَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. والثّانِي: أنَّهُ جاءَ زائِرًا مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ، وكانَ قَدْ حَلَفَ لِامْرَأتِهِ أنْ لا يَنْزِلَ بِمَكَّةَ حَتّى يَرْجِعَ، فَلَمّا وصَلَ إلى مَكَّةَ قالَتْ لَهُ أُمُّ إسْماعِيلَ: انْزِلْ حَتّى نَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجاءَتْهُ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضَعَتْهُ عَلى الجانِبِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ أحَدَ جانِبَيْ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى الجانِبِ الأيْسَرِ، حَتّى غَسَلَتِ الجانِبَ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ هو الحَجَرُ الَّذِي قامَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأذانِ بِالحَجِّ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ قامَ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ: مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لَمّا كانَتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ مَوْجُودَةً في الحَرَمِ ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ جَمِيعَ الحَرَمِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَوْ قَتَلَ في الحَرَمِ فَإنَّهُ يُسْتَوْفى القِصاصُ مِنهُ في الحَرَمِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الحَرَمَ لا يُفِيدُ الأمانَ فِيما سِوى النَّفْسِ، إنَّما الخِلافُ فِيما إذا وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ خارِجَ الحَرَمِ فالتَجَأ إلى الحَرَمِ فَهَلْ يُسْتَوْفى مِنهُ القِصاصُ في الحَرَمِ ؟ قالَ الشّافِعِيُّ: يُسْتَوْفى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُسْتَوْفى، بَلْ يُمْنَعُ مِنهُ الطَّعامُ والشَّرابُ والبَيْعُ والشِّراءُ والكَلامُ حَتّى يَخْرُجَ ثُمَّ يُسْتَوْفى مِنهُ القِصاصُ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ظاهِرُ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِ آمِنًا، ولَكِنْ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إذْ قَدْ لا يَصِيرُ آمِنًا فَيَقَعُ الخُلْفُ في الخَبَرِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأمْرِ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في الجِناياتِ الَّتِي دُونَ النَّفْسِ لِأنَّ الضَّرَرَ فِيها أخَفُّ مِنَ الضَّرَرِ في القَتْلِ، وفِيما إذا وجَبَ عَلَيْهِ القِصاصُ لِجِنايَةٍ أتى بِها في الحَرَمِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ، فَيَبْقى في مَحَلِّ الخِلافِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الآيَةِ.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ إثْباتٌ لِمُسَمّى الأمْنِ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ إثْباتُ الأمْنِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ مَن دَخَلَهُ لِلنُّسُكِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا» “ وقالَ أيْضًا: ”«مَن صَبَرَ عَلى حَرِّ مَكَّةَ ساعَةً مِن نَهارٍ تَباعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيرَةَ مِائَتَيْ عامٍ» “ وقالَ: ”«مَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» “ . والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أوْدَعَ اللَّهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى كُلِّ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ ودَفَعَ المَكْرُوهَ عَنْهُ، ولَمّا كانَ الأمْرُ واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ في الأكْثَرِ أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُطْلَقًا وهَذا أوْلى مِمّا قالُوهُ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا نَجْعَلُ الخَبَرَ قائِمًا مَقامَ الأمْرِ وهم جَعَلُوهُ قائِمًا مَقامَ الأمْرِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا لِبَيانِ فَضِيلَةِ البَيْتِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِشَيْءٍ كانَ مَعْلُومًا لِلْقَوْمِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى فَضِيلَةِ البَيْتِ، فَأمّا الحُكْمُ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى اليَهُودِ والنَّصارى في إثْباتِ فَضِيلَةِ الكَعْبَةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ المَعْنى مَن دَخَلَهُ عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كانَ آمِنًا لِأنَّهُ تَعالى (p-١٣٣)قالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: مَن حَجَّ حَجَّةً كانَ آمِنًا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي اكْتَسَبَها قَبْلَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ طُرُقَ الكَلامِ في جَمِيعِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ حُكْمٌ بِثُبُوتِ الأمْنِ وذَلِكَ يَكْفِي في العَمَلِ بِهِ إثْباتُ الأمْنِ مِن وجْهٍ واحِدٍ وفي صُورَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا حَمَلْناهُ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ فَقَدْ عَمِلْنا بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ فَلا يَبْقى لِلنَّصِّ دَلالَةٌ عَلى ما قالُوهُ، ثُمَّ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِأنَّ حَمْلَ النَّصِّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يُفْضِي إلى تَخْصِيصِ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ القِصاصِ، وحَمْلُهُ عَلى ما قالُوهُ يُفْضِي إلى ذَلِكَ فَكانَ قَوْلُنا أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِلَ البَيْتِ ومَناقِبَهُ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ إيجابِ الحَجِّ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾ بِكَسْرِ الحاءِ والباقُونَ بِفَتْحِها، قِيلَ: الفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ، والكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ وهُما واحِدٌ في المَعْنى، وقِيلَ هُما جائِزانِ مُطْلَقًا في اللُّغَةِ، مِثْلُ رَطْلٍ ورِطْلٍ، وبَزْرٍ وبِزْرٍ، وقِيلَ المَكْسُورَةُ اسْمٌ لِلْعَمَلِ والمَفْتُوحَةُ مَصْدَرٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَكْسُورَةُ أيْضًا مَصْدَرًا، كالذِّكْرِ والعِلْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”مَن“ خَفْضٌ عَلى البَدَلِ مِنَ ”النّاسِ“ والمَعْنى: ولِلَّهِ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ مِنَ النّاسِ حَجُّ البَيْتِ. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ إنْ نَوَيْتَ الِاسْتِئْنافَ بِمَن كانَتْ شَرْطًا وأُسْقِطَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَطاعَ إلى الحَجِّ سَبِيلًا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ حَجُّ البَيْتِ. الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى التَّرْجَمَةِ لِلنّاسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ النّاسُ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ حَجُّ البَيْتِ ؟ فَقِيلَ هم مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الزّادَ والرّاحِلَةَ شَرْطانِ لِحُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ، رَوى جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ اسْتِطاعَةَ السَّبِيلِ إلى الحَجِّ بِوُجُودِ الزّادِ والرّاحِلَةِ، ورَوى القَفّالُ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: إذا كانَ شابًّا صَحِيحًا لَيْسَ لَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَهُ حَتّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: أكَلَّفَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَمْشُوا إلى البَيْتِ ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ مِيراثٌ بِمَكَّةَ أكانَ يَتْرُكُهُ ؟ قالَ: لا بَلْ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ ولَوْ حَبْوًا، قالَ: فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ حَجُّ البَيْتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الِاسْتِطاعَةُ هي صِحَّةُ البَدَنِ، وإمْكانُ المَشْيِ إذا لَمْ يَجِدْ ما يَرْكَبُهُ.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ صَحِيحَ البَدَنِ قادِرًا عَلى المَشْيِ إذا لَمْ يَجِدْ ما يَرْكَبُ فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةِ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ تَرْكٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا (p-١٣٤)يُمْكِنُ التَّعْوِيلُ في ذَلِكَ عَلى الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ في هَذا البابِ لِأنَّها أخْبارُ آحادٍ، فَلا يُتْرَكُ لِأجْلِها ظاهِرُ الكِتابِ لا سِيَّما وقَدْ طَعَنَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في رُواةِ تِلْكَ الأخْبارِ، وطَعَنَ فِيها مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ حُصُولَ الزّادِ والرّاحِلَةِ لا يَكْفِي في حُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ، فَإنَّهُ يُعْتَبَرُ في حُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ صِحَّةُ البَدَنِ وعَدَمُ الخَوْفِ في الطَّرِيقِ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مُعْتَبَرًا، فَصارَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مَطْعُونًا فِيها مِن هَذا الوَجْهِ بَلْ يَجِبُ أنْ يُعَوَّلَ في ذَلِكَ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ قالُوا: لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، وعَدَمُ الإيمانِ لا يَصْلُحُ مُعارِضًا ومُخَصِّصًا لِهَذا العُمُومِ، لِأنَّ الدَّهْرِيَّ مُكَلَّفٌ بِالإيمانِبِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ حاصِلٍ، والمُحْدِثُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ مَعَ أنَّ الوُضُوءَ الَّذِي هو شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ غَيْرُ حاصِلٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ الشَّرْطِ مانِعًا مِن كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِالمَشْرُوطِ، فَكَذا هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَقالُوا: لَوْ كانَتْ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ لَكانَ مَن لَمْ يَحُجَّ مُسْتَطِيعًا لِلْحَجِّ، ومَن لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لِلْحَجِّ لا يَتَناوَلُهُ التَّكْلِيفُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَحُجَّ أنْ لا يَصِيرَ مَأْمُورًا بِالحَجِّ بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.
أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ هَذا أيْضًا لازِمٌ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّ القادِرَ إمّا أنْ يَصِيرَ مَأْمُورًا بِالفِعْلِ قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي إلى الفِعْلِ أوْ بَعْدَ حُصُولِهِ، أمّا قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي فَمُحالٌ، لِأنَّ قَبْلَ حُصُولِ الدّاعِي يَمْتَنِعُ حُصُولُ الفِعْلِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الدّاعِي فالفِعْلُ يَصِيرُ واجِبَ الحُصُولِ، فَلا يَكُونُ في التَّكْلِيفِ بِهِ فائِدَةٌ، وإذا كانَتْ الِاسْتِطاعَةُ مُنْتَفِيَةً في الحالَيْنِ وجَبَ أنْ لا يَتَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أحَدٍ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكُتِبَ الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ ذَكَرُوا ذَلِكَ ثَلاثًا، فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِها لَكَفَرْتُمْ. ألا فَوادِعُونِي ما وادَعْتُكم وإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فافْعَلُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ أمْرٍ فانْتَهُوا عَنْهُ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ“»، ثُمَّ احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذا الخَبَرِ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ الأمْرَ ورَدَ بِالحَجِّ ولَمْ يُفِدِ التَّكْرارَ. والثّانِي: أنَّ الصَّحابَةَ اسْتَفْهَمُوا أنَّهُ هَلْ يُوجِبُ التَّكْرارَ أمْ لا ؟ ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ التَّكْرارَ لَما احْتاجُوا إلى الِاسْتِفْهامِ مَعَ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِاللُّغَةِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اسْتِطاعَةُ السَّبِيلِ إلى الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ إمْكانِ الوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] وقالَ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] وقالَ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَيُعْتَبَرُ في حُصُولِ هَذا الإمْكانِ صِحَّةُ البَدَنِ، وزَوالُ خَوْفِ التَّلَفِ مِنَ السَّبُعِ أوِ العَدُوِّ وفِقْدانِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والقُدْرَةُ عَلى المالِ الَّذِي يُشْتَرى بِهِ الزّادُ والرّاحِلَةُ وأنْ يَقْضِيَ جَمِيعَ الدُّيُونِ ويَرُدَّ جَمِيعَ (p-١٣٥)الوَدائِعِ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ عَلى أحَدٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَجُّ إلّا إذا تَرَكَ مِنَ المالِ ما يَكْفِيهِمْ في المَجِيءِ والذَّهابِ، وتَفاصِيلُ هَذا البابِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفُقَهاءِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ووَعِيدٌ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى تارِكِ الحَجِّ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى مَن لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الحَجِّ، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى تارِكِ الحَجِّ فَقَدْ عَوَّلُوا فِيهِ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالحَجِّ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ هَذا الكُفْرَ لَيْسَ إلّا تَرْكَ ما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذا الوَجْهَ بِالأخْبارِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا وإنْ شاءَ نَصْرانِيًّا» “ وعَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ ولَمْ تَمْنَعْهُ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ أوْ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» “ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَوْ ماتَ جارٌ لِي ولَهُ مَيْسَرَةٌ ولَمْ يَحُجَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ تَرْكِ الحَجِّ ؟
أجابَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّغْلِيظَ، أيْ قَدْ قارَبَ الكُفْرَ وعَمِلَ ما يَعْمَلُهُ مَن كَفَرَ بِالحَجِّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أيْ كادَتْ تَبْلُغُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن تَرَكَ صَلاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» “ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أتى امْرَأةً حائِضًا أوْ في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ» “ وأمّا الأكْثَرُونَ: فَهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا هَذا الوَعِيدَ عَلى مَن تَرَكَ اعْتِقادَ وُجُوبِ الحَجِّ، قالَ الضَّحّاكُ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ جَمَعَ الرَّسُولُ ﷺ أهْلَ الأدْيانِ السِّتَّةِ المُسْلِمِينَ، والنَّصارى واليَهُودَ والصّابِئِينَ والمَجُوسَ والمُشْرِكِينَ فَخَطَبَهم وقالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“ فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَفَرَتْ بِهِ المِلَلُ الخَمْسُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ، ولا نُصَلِّي إلَيْهِ، ولا نَحُجُّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ»﴾ وهَذا القَوْلُ هو الأقْوى.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ تَكْلِيفَ الشَّرْعِ في العِباداتِ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ أصْلُهُ مَعْقُولًا إلّا أنَّ تَفاصِيلَهُ لا تَكُونُ مَعْقُولَةً مِثْلَ الصَّلاةِ فَإنَّ أصْلَها مَعْقُولٌ وهو تَعْظِيمُ اللَّهِ أمّا كَيْفِيَّةُ الصَّلاةِ فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وكَذا الزَّكاةُ أصْلُها دَفْعُ حاجَةِ الفَقِيرِ وكَيْفِيَّتُها غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، والصَّوْمُ أصْلُهُ مَعْقُولٌ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ وكَيْفِيَّتُهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، أمّا الحَجُّ فَهو سَفَرٌ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فالحِكْمَةُ في كَيْفِيّاتِ هَذِهِ العِباداتِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وأصْلُها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
(p-١٣٦)إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ المُحَقِّقُونَ إنَّ الإتْيانَ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِبادَةِ أدَلُّ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ مِنَ الإتْيانِ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآتِيَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ إنَّما أتى بِهِ لَمّا عَرَفَ بِعَقْلِهِ مِن وُجُوهِ المَنافِعِ فِيهِ، أمّا الآتِي بِالنَّوْعِ الثّانِي فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِهِ إلّا لِمُجَرَّدِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى اشْتَمَلَ الأمْرُ بِالحَجِّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْكِيدِ. أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ إلَهًا ألْزَمَ عَبِيدَهُ هَذِهِ الطّاعَةَ فَيَجِبُ الِانْقِيادُ سَواءٌ عَرَفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ فِيها أوْ لَمْ يَعْرِفُوا. وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ ”النّاسَ“ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ ضَرْبانِ مِنَ التَّأْكِيدِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ الإبْدالَ تَثْنِيَةٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ أجْمَلَ أوَّلًا وفَصَّلَ ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا الوُجُوبِ بِعِبارَتَيْنِ. إحْداهُما: لامُ المِلْكِ في قَوْلِهِ: (ولِلَّهِ) وثانِيَتُهُما: كَلِمَةُ ”عَلى“ وهي لِلْوُجُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ﴾ . ورابِعُها: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي إيجابَهُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ يَسْتَطِيعُهُ، وتَعْمِيمُ التَّكْلِيفِ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ. وخامِسُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ، وهَذا تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ في حَقِّ تارِكِ الحَجِّ. وسادِسُها: ذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والسُّخْطِ والخِذْلانِ. وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَنْهُ؛ لِأنَّ المُسْتَغْنِيَ عَنْ كُلِّ العالَمِينَ أوْلى أنْ يَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ ذَلِكَ الإنْسانِ الواحِدِ وعَنْ طاعَتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى السُّخْطِ. وثامِنُها: أنَّ في أوَّلِ الآيَةِ قالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الإيجابَ كانَ لِمُجَرَّدِ عِزَّةِ الإلَهِيَّةِ وكِبْرِياءِ الرُّبُوبِيَّةِ، لا لِجَرِّ نَفْعٍ ولا لِدَفْعِ ضُرٍّ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ ومِمّا يَدُلُّ مِنَ الأخْبارِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالحَجِّ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا فَإنَّهُ قَدْ هُدِمَ البَيْتُ مَرَّتَيْنِ ويُرْفَعُ في الثّالِثِ» “ ورُوِيَ ”«حُجُّوا قَبْلَ أنْ لا تَحُجُّوا حُجُّوا قَبْلَ أنْ يَمْنَعَ البَرُّ جانِبَهُ» “ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْكُمُ السَّفَرُ في البَرِّ في مَكَّةَ لِعَدَمِ الأمْنِ أوْ غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”حُجُّوا هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ في البادِيَةِ شَجَرَةٌ لا تَأْكُلُ مِنها دابَّةٌ إلّا هَلَكَتْ“ .
{"ayah":"فِیهِ ءَایَـٰتُۢ بَیِّنَـٰتࣱ مَّقَامُ إِبۡرَ ٰهِیمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنࣰاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق