الباحث القرآني

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةِ، فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (لَوْلا) الأُولى امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ، والثّانِيَةُ تَحْضِيضِيَّةٌ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُوا﴾ لِلْعَطْفِ، وفي قَوْلِهِ لِلْعَطْفِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ جَوابُ (لَوْلا) لِكَوْنِها في حُكْمِ الأمْرِ مِن قِبَلِ أنَّ الأمْرَ باعِثٌ عَلى الفِعْلِ، والباعِثُ والمُحَضِّضُ مِن وادٍ واحِدٍ، والمَعْنى: ولَوْلا أنَّهم قائِلُونَ إذا عُوقِبُوا بِما قَدَّمُوا مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي: هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، مُحْتَجِّينَ عَلَيْنا بِذَلِكَ لَما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ، يَعْنِي: إنَّما أرْسَلْنا الرَّسُولَ إزالَةً لِهَذا العُذْرِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ ﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ولَوْلا أنْ يَقُولُوا هَذا العُذْرَ لَما أرْسَلْنا، بَلْ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ ﴿فَيَقُولُوا﴾ هَذا العَدُوُّ لَما أرْسَلْنا، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِنُكْتَةٍ؛ وهي أنَّهم لَوْ لَمْ يُعاقَبُوا مَثَلًا وقَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ دِينِهِمْ لَما قالُوا ذَلِكَ، بَلْ إنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا نالَهُمُ العِقابُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا هَذا العُذْرَ تَأسُّفًا عَلى كُفْرِهِمْ، بَلْ لِأنَّهم ما أطاقُوا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِحْكامِ كُفْرِهِمْ ورُسُوخِهِ فِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] . * * * وفِي الآيَةِ مَسائِلُ: المسألة الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى وُجُوبِ فِعْلِ اللُّطْفِ، قالَ: لَوْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يَقُولُوا: هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ لا يَبْعَثَ إلَيْهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَخْتارُونَ الإيمانَ إلّا عِنْدَهُ عَلى قَوْلِ مَن خالَفَ في وُجُوبِ اللُّطْفِ، كَما مَرَّ أنَّ الجائِزَ إذا كانَ في المَعْلُومِ لَوْ خُلِقَ لَهُ لَمْ يُمْكِنْ إلّا أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. * * * المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ حُجَّةَ العِبادِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى لا يَقْبَلُ الحجة، وظَهَرَ بِهَذا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ما يَظُنُّهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ يَقْبَلُ الحجة وجَبَ أنْ لا يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لَكانَ لِلْكافِرِ أعْظَمُ حُجَّةٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. * * * المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: فِيهِ إبْطالُ القَوْلِ بِالجَبْرِ مِن جِهاتٍ: إحْداها: أنَّ اتِّباعَهم وإيمانَهم مَوْقُوفٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ سَواءٌ أرْسَلَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ أمْ لا. وثانِيَتُها: أنَّهُ إذا خَلَقَ القُدْرَةَ عَلى ذَلِكَ فِيهِمْ وجَبَ سَواءٌ أرْسَلَ الرَّسُولَ أمْ لا. وثالِثَتُها: إذا أرادَ ذَلِكَ وجَبَ، أرْسَلَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ أمْ لا، فَأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِمْ هَذا لَوْ كانَتْ أفْعالُهم خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى ؟ فَيُقالُ لِلْقاضِي: هَبْ أنَّكَ نازَعْتَ في الخَلْقِ والإرادَةِ، ولَكِنَّكَ وافَقْتَ في العِلْمِ، فَإذا عَلِمَ الكُفْرَ مِنهم فَهَلْ يَجِبُ أمْ لا ؟ فَإنْ لَمْ يَجِبْ أمْكَنَ أنْ لا يُوجَدَ الكُفْرُ مَعَ حُصُولِ العِلْمِ بِالكُفْرِ، وذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وإنْ وجَبَ لَزِمَكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ وإنْ كانَ قَوِيًّا حَسَنًا إلّا أنَّهُ إذا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ النَّقْضُ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ، فَكَيْفَ يَرْضى العاقِلُ بِأنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ ؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب