الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والضِّدِّ والنِّدِّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَراءَتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ فَقالَ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وأضافُوا إلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صاهَرَ الجِنَّ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (p-١٣٨)[الصّافّاتِ: ١٥٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ فَلَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَأشْبَهَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ لا بُدَّ وأنْ يُخالِفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَقَعُ التَّرْكِيبُ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فاتِّخاذُهُ لِلْوَلَدِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ ويُدْخِلُهُ في حَدِّ العُبُودِيَّةِ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم عِبادٌ والعُبُودِيَّةُ تُنافِي الوِلادَةَ إلّا أنَّهم مُكْرَمُونَ مُفَضَّلُونَ عَلى سائِرِ العِبادِ وقُرِئَ: (مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ) مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، والمَعْنى أنَّهم يَتْبَعُونَهُ في قَوْلِهِ ولا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ فَلا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ، وكَما أنَّ قَوْلَهم تابِعٌ لِقَوْلِهِ فَعَمَلُهم أيْضًا كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرِهِ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لِهَذِهِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلِمُوا كَوْنَهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلِمُوا كَوْنَهُ عالِمًا بِظَواهِرِهِمْ هم وبَواطِنِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى نِهايَةِ الخُضُوعِ وكَمالِ العُبُودِيَّةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن أعْمالِهِمْ. وثانِيها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا وقِيلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم وما يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وحَقِيقَةُ المَعْنى أنَّهم يَتَقَلَّبُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ في مَلَكُوتِهِ وهو مُحِيطٌ بِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالَتَهم فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ وكَيْفَ يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَشْفَعُونَ لِمَن لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى لَهُ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن هو عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ، ومُشْفِقُونَ خائِفُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ ساقِطًا كالحِلْسِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ القَوْلَ فَإنّا نُجازِي ذَلِكَ القائِلَ بِهَذا الجَزاءِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ أوْ ما قالُوهُ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الصِّفاتُ تَدُلُّ عَلى العُبُودِيَّةِ وتُنافِي الوِلادَةَ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَقُولُونَ قَوْلًا ولا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ فَهَذِهِ صِفاتٌ لِلْعَبِيدِ لا صِفاتُ الأوْلادِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِأسْرارِ المَلائِكَةِ وهم لا يَعْلَمُونَ أسْرارَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو لا هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي نَفْسُ ما ذَكَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] . وثالِثُها: أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى ومَن يَكُنْ إلَهًا أوْ ولَدًا لِلْإلَهِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهم عَلى نِهايَةِ الإشْفاقِ والوَجَلِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِن صِفاتِ العَبِيدِ. وخامِسُها: نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ حالَهم حالُ سائِرِ العَبِيدِ المُكَلَّفِينَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهم آلِهَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ لا يُقالُ في أهْلِ الكَبائِرِ إنَّ اللَّهَ يَرْتَضِيهِمْ. والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٣٩)عَنْهُما والضَّحّاكُ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقَدِ ارْتَضاهُ تَعالى في ذَلِكَ ومَتى صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ لِأنَّ المُرَكَّبَ مَتى صَدَقَ فَقَدْ صَدَقَ لا مَحالَةَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَضاهُ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى ما قَرَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: تَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ومِن حَيْثُ الوَعِيدُ. وثانِيها: تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَجْزِيهِ اللَّهُ جَهَنَّمَ كَما تَوَعَّدَ المَلائِكَةَ بِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ لِأهْلِ الكَبائِرِ في الآخِرَةِ، والجَوابُ: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ مُشْعِرٌ بِالوَعِيدِ وهو مُعارَضٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب