الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ، وحالَ مَن أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ، فَذَكَرَ بِسَبَبِ الخَوْفِ كَلِمَةَ الكُفْرِ، وحالَ مَن لَمْ يَذْكُرْها، ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ مَن هاجَرَ مِن بَعْدِ ما فُتِنَ، فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”فَتَنُوا“ بِفَتْحِ الفاءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الفاءِ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. أمّا وجْهُ القِراءَةِ الأُولى فَأُمُورٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أكابِرَ المُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ آذَوْا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ لَوْ تابُوا وهاجَرُوا وصَبَرُوا فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهم.
والثّانِي: أنَّ فَتَنَ وأفْتَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: مانَ وأمانَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ لَمّا ذَكَرُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ (p-١٠١)فَكَأنَّهم فَتَنُوا أنْفُسَهم، وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً؛ لِأنَّ الرُّخْصَةَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ ما نَزَلَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وأمّا وجْهُ القِراءَةِ بِفِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ المَفْتُونِينَ هُمُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ حَمَلَهم أقْوِياءُ المُشْرِكِينَ عَلى الرِّدَّةِ والرُّجُوعِ عَنِ الإيمانِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم إذا هاجَرُوا وجاهَدُوا وصَبَرُوا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهم تَكَلُّمَهم بِكَلِمَةِ الكُفْرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِتْنَةِ هو أنَّهم عُذِّبُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّهم خُوِّفُوا بِالتَّعْذِيبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ المُسْلِمِينَ ارْتَدُّوا. قالَ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هاجَرُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، فَعَرَضَتْ لَهم فِتْنَةٌ فارْتَدُّوا، وشَكُّوا في الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم أسْلَمُوا وهاجَرُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ارْتَدَّ فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفِتْحِ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِ فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ إنَّما تَصِحُّ لَوْ جَعَلْنا هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةً، أوْ جَعَلْنا هَذِهِ الآيَةَ مِنها مَدَنِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ المُعَذَّبِينَ تَكَلَّمُوا بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ يَحْتَمِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْيِينِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً فِيمَن أظْهَرَ الكُفْرَ، فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وأنَّ حالَهُ إذا هاجَرَ وجاهَدَ وصَبَرَ كَحالِ مَن لَمْ يُكْرَهْ، وإنْ كانَتْ وارِدَةً فِيمَنِ ارْتَدَّ فالمُرادُ أنَّ التَّوْبَةَ والقِيامَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ يُزِيلُ ذَلِكَ العِقابَ، ويَحْصُلُ لَهُ الغُفْرانُ والرَّحْمَةُ، فالهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِها﴾ تَعُودُ إلى الأعْمالِ المَذْكُورَةِ فِيما قَبْلُ، وهي الهِجْرَةُ والجِهادُ والصَّبْرُ.
أما قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى يُعْطِي الرَّحْمَةَ والغُفْرانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَعْظُمُ احْتِياجُ الإنْسانِ فِيهِ إلى الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وذَكِّرْهم أوِ اذْكُرْ يَوْمَ كَذا وكَذا؛ لِأنَّ مَعْنى القُرْآنِ العَظَمَةُ والإنْذارُ والتَّذْكِيرُ.
البحث الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: النَّفْسُ لا تَكُونُ لَها نَفْسٌ أُخْرى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ ؟
والجَوابُ: النَّفْسُ قَدْ يُرادُ بِهِ بَدَنُ الحَيِّ وقَدْ يُرادُ بِهِ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، فالنَّفْسُ الأُولى هي الجُثَّةُ والبَدَنُ. والثّانِيَةُ عَيْنُها وذاتُها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِي كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ ذاتِهِ ولا يُهِمُّهُ شَأْنُ غَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] . وعَنْ بَعْضِهِمْ: تَزْفِرُ جَهَنَّمُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُ: يا رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَفْعَلُ ذَلِكَ. ومَعْنى المُجادَلَةِ عَنْها الِاعْتِذارُ عَنْها، كَقَوْلِهِمْ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧ ] . وقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] .
ثم قال تَعالى: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن (p-١٠٢)غَيْرِ بَخْسٍ ولا نُقْصانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ لا يُنْقَضُونَ. قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى ما يَدُلُّ عَلى ما نَذْهَبُ إلَيْهِ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ حَقَّهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى أزالَ عِقابَ المُذْنِبِ بِسَبَبِ الشَّفاعَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ.
والجَوابُ: لا نِزاعَ أنَّ ظاهِرَ العُمُوماتِ يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم، إلّا أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ التَّمَسُّكَ بِظَواهِرِ العُمُوماتِ لا يُفِيدُ القَطْعَ، وأيْضًا فَظَواهِرُ الوَعِيدِ مُعارَضَةٌ بِظَواهِرِ الوَعْدِ، ثُمَّ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٨١] أنَّ جانِبَ الوَعْدِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الوَعِيدِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
{"ayah":"۞ یَوۡمَ تَأۡتِی كُلُّ نَفۡسࣲ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











