الباحث القرآني
(p-١٧٣)(سُورَةُ الفَلَقِ) .
خَمْسُ آياتٍ، مَدَنِيَّةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ .
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (قُلْ) فَوائِدُ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِقِراءَةِ سُورَةِ الإخْلاصِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الطّاعاتِ، فَكَأنَّ العَبْدَ قالَ: إلَهَنا هَذِهِ الطّاعَةُ عَظِيمَةٌ جِدًّا لا أثِقُ بِنَفْسِي في الوَفاءِ بِها، فَأجابَ بِأنْ قالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ، والتَجِئْ إلَيْهِ حَتّى يُوَفِّقَكَ لِهَذِهِ الطّاعَةِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
وثانِيها: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَألُوا الرَّسُولَ عَنْ نِسَبِ اللَّهِ وصِفَتِهِ، فَكَأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: كَيْفَ أنْجُو مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ الَّذِينَ تَجاسَرُوا وقالُوا فِيكَ ما لا يَلِيقُ بِكَ ؟ فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أيِ اسْتَعِذْ بِي حَتّى أصُونَكَ عَنْ شَرِّهِمْ.
وثالِثُها: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَنِ التَجَأ إلى بَيْتِي شَرَّفْتُهُ وجَعَلْتُهُ آمِنًا فَقُلْتُ: ومَنَ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، فالتَجِئْ أنْتَ أيْضًا إلَيَّ حَتّى أجْعَلَكَ آمِنًا: فَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِالرُّقى والعُوَذِ أمْ لا ؟ مِنهم قالَ: إنَّهُ يَجُوزُ واحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما «رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَكى فَرَقاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، واللَّهُ يَشْفِيكَ» .
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنا مِنَ الأوْجاعِ كُلِّها والحُمّى هَذا الدُّعاءَ: بِسْمِ اللَّهِ الكَرِيمِ، أعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ مِن شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعّارٍ، ومِن شَرِّ حَرِّ النّارِ» .
وثالِثُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن دَخَلَ عَلى مَرِيضٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أجَلُهُ، فَقالَ: أسْألُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرّاتٍ شُفِيَ» .
ورابِعُها: عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَخَلَ عَلى مَرِيضٍ قالَ: أذْهِبِ (p-١٧٤)الباسَ رَبَّ النّاسِ، اشْفِ أنْتَ الشّافِي، لا شافِيَ إلّا أنْتَ» .
وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، ويَقُولُ: هَكَذا كانَ أبِي إبْراهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ» .
وسادِسُها: «قالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي العاصِ الثَّقَفِيُّ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وبِي وجَعٌ قَدْ كادَ يُبْطِلُنِي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ يَدَكَ اليُمْنى عَلَيْهِ، وقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ مِن شَرِّ ما أجِدُ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَشَفانِي اللَّهُ» .
وسابِعُها: «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سافَرَ فَنَزَلَ مَنزِلًا يَقُولُ: يا أرْضُ، رَبِّي ورَبُّكِ اللَّهُ أعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّكِ وشَرِّ ما فِيكِ وشَرِّ ما يَخْرُجُ مِنكِ، وشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، وأعُوذُ بِاللَّهِ مِن أسَدٍ وأُسُودٍ وحَيَّةٍ وعَقْرَبٍ، ومِن شَرِّ ساكِنِي البَلَدِ ووالِدٍ وما ولَدَ» .
وثامِنُها: قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اشْتَكى شَيْئًا مِن جَسَدِهِ قَرَأ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] والمُعَوِّذَتَيْنِ في كَفِّهِ اليُمْنى ومَسَحَ بِها المَكانَ الَّذِي يَشْتَكِي» .
ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ مِنَ الرُّقى لِما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، قالَ «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقى، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لا يَكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ مَنِ اكْتَوى واسْتَرْقى» . وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الرُّقى المَجْهُولَةِ الَّتِي لا تُعْرَفُ حَقائِقُها، فَأمّا ما كانَ لَهُ أصْلٌ مَوْثُوقٌ، فَلا نَهْيَ عَنْهُ، واخْتَلَفُوا في التَّعْلِيقِ، فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «مَن عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ»، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ رَأى عَلى أُمِّ ولَدِهِ تَمِيمَةً مَرْبُوطَةً بِعَضُدِها، فَجَذَبَها جَذْبًا عَنِيفًا فَقَطَعَها.
ومِنهم مَن جَوَّزَهُ، سُئِلَ الباقِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ التَّعْوِيذِ يُعَلَّقُ عَلى الصِّبْيانِ فَرَخَّصَ فِيهِ.
واخْتَلَفُوا في النَّفْثِ أيْضًا، فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ إذا اشْتَكى بِالمُعَوِّذاتِ ويَمْسَحُ بِيَدِهِ، فَلَمّا اشْتَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أنْفُثُ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذاتِ الَّتِي كانَ يَنْفُثُ بِها عَلى نَفْسِهِ» .
وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أنَّهُ كانَ إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ في يَدَيْهِ وقَرَأ فِيهِما بِالمُعَوِّذاتِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما جَسَدَهُ» .
ومِنهم مَن أنْكَرَ النَّفْثَ، قالَ عِكْرِمَةُ: لا يَنْبَغِي لِلرّاقِي أنْ يَنْفُثَ ولا يَمْسَحَ ولا يَعْقِدَ. وعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ النَّفْثَ في الرُّقى، وقالَ بَعْضُهم: دَخَلْتُ عَلى الضَّحّاكِ وهو وجِيعٌ، فَقُلْتُ: ألا أُعَوِّذُكَ يا أبا مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ لا تَنْفُثْ، فَعَوَّذْتُهُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ. قالَ الحَلِيمِيُّ: الَّذِي رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ يَنْبَغِي لِلرّاقِي أنْ لا يَنْفُثَ ولا يَمْسَحَ ولا يَعْقِدَ، فَكَأنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ النَّفْثَ في العَقْدِ مِمّا يُسْتَعاذُ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَنهِيًّا عَنْهُ إلّا أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّفْثَ في العُقَدِ إنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا كانَ سِحْرًا مُضِرًّا بِالأرْواحِ والأبْدانِ، فَأمّا إذا كانَ هَذا النَّفْثُ لِإصْلاحِ الأرْواحِ والأبْدانِ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ حَرامًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في مِفْتاحِ القِراءَةِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٦٩] وجاءَ في الأحادِيثِ: (أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ) ولا شَكَّ أنَّ أفْضَلَ أسْماءِ اللَّهِ هو اللَّهُ، وأمّا الرَّبُّ فَإنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] فَما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى عِنْدَ الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ لَمْ يَقُلْ: أعُوذُ بِاللَّهِ بَلْ قالَ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ؟ وأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] إنَّما أمَرَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ هُناكَ لِأجْلِ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإنَّما أمَرَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ هَهُنا في هَذِهِ السُّورَةِ لِأجْلِ حِفْظِ النَّفْسِ والبَدَنِ عَنِ السِّحْرِ، والمُهِمُّ الأوَّلُ أعْظَمُ، فَلا جَرَمَ ذَلِكَ هُناكَ الِاسْمُ الأعْظَمُ.
وثانِيها: أنَّ الشَّيْطانَ يُبالِغُ حالَ مَنعِكَ مِنَ العِبادَةِ أشَدَّ مُبالَغَةً في إيصالِ الضُّرِّ إلى بَدَنِكَ ورُوحِكَ، فَلا جَرَمَ ذُكِرَ الِاسْمُ (p-١٧٥)الأعْظَمُ هُناكَ دُونَ هَهُنا.
وثالِثُها: أنَّ اسْمَ الرَّبِّ يُشِيرُ إلى التَّرْبِيَةِ فَكَأنَّهُ جَعَلَ تَرْبِيَةَ اللَّهِ لَهُ فِيما تَقَدَّمَ وسِيلَةً إلى تَرْبِيَتِهِ لَهُ في الزَّمانِ الآتِي، أوْ كانَ العَبْدُ يَقُولُ: التَّرْبِيَةُ والإحْسانُ حِرْفَتُكَ فَلا تُهْمِلْنِي، ولا تُخَيِّبْ رَجائِي.
ورابِعُها: أنَّ بِالتَّرْبِيَةِ صارَ شارِعًا في الإحْسانِ، والشُّرُوعُ مُلْزِمٌ.
وخامِسُها: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ آخِرُ سُوَرِ القُرْآنِ فَذَكَرَ لَفْظَ الرَّبِّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَنْقَطِعُ عَنْكَ تَرْبِيَتُهُ وإحْسانُهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ خَتَمَ القُرْآنَ عَلى اسْمِ الإلَهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ [الناس: ٣] قُلْنا: فِيهِ لَطِيفَةٌ وهي كَوْنُهُ تَعالى قالَ: قُلْ أعُوذُ بِمَن هو رَبِّي ولَكِنَّهُ إلَهٌ قاهِرٌ لِوَسْوَسَةِ الخَنّاسِ فَهو كالأبِ المُشْفِقِ الَّذِي يَقُولُ ارْجِعْ عِنْدَ مُهِمّاتِكَ إلى أبِيكَ المُشْفِقِ عَلَيْكَ الَّذِي هو كالسَّيْفِ القاطِعِ والنّارِ المُحْرِقَةِ لِأعْدائِكَ فَيَكُونُ هَذا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الوَعْدِ بِالإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ.
وسادِسُها: كَأنَّ الحَقَّ قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَلْبُكَ لِي فَلا تُدْخِلْ فِيهِ حُبَّ غَيْرِي، ولِسانُكَ لِي فَلا تَذْكُرْ بِهِ أحَدًا غَيْرِي، وبَدَنُكَ لِي فَلا تَشْغَلْهُ بِخِدْمَةِ غَيْرِي، وإنْ أرَدْتَ شَيْئًا فَلا تَطْلُبْهُ إلّا مِنِّي، فَإنْ أرَدْتَ العِلْمَ فَقُلْ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وإنْ أرَدْتَ الدُّنْيا فاسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، وإنْ خِفْتَ ضَرَرًا فَقُلْ: ﴿أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فَإنِّي أنا الَّذِي وصَفْتُ نَفْسِي بِأنِّي خالِقُ الإصْباحِ، وبِأنِّي فالِقُ الحَبِّ والنَّوى، وما فَعَلْتُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا لِأجْلِكَ، فَإذا كُنْتُ أفْعَلُ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ لِأجْلِكَ، أفَلا أصُونُكَ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في: (الفَلَقِ) وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ الصُّبْحُ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّ اللَّيْلَ يُفْلَقُ عَنْهُ الصُّبْحُ ويُفْرَقُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يُقالُ: هو أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ ومِن فَرَقِ الصُّبْحِ وتَخْصِيصُهُ في التَّعَوُّذِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القادِرَ عَلى إزالَةِ هَذِهِ الظُّلُماتِ الشَّدِيدَةِ عَنْ كُلِّ هَذا العالَمِ يَقْدِرُ أيْضًا أنْ يَدْفَعَ عَنِ العائِذِ كُلَّ ما يَخافُهُ ويَخْشاهُ.
الثّانِي: أنَّ طُلُوعَ الصُّبْحِ كالمِثالِ لِمَجِيءِ الفَرَجِ، فَكَما أنَّ الإنْسانَ في اللَّيْلِ يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِطُلُوعِ الصَّباحِ كَذَلِكَ الخائِفُ يَكُونُ مُتَرَقِّبًا لِطُلُوعِ صَباحِ النَّجاحِ.
الثّالِثُ: أنَّ الصُّبْحَ كالبُشْرى فَإنَّ الإنْسانَ في الظَّلامِ يَكُونُ كَلَحْمٍ عَلى وضْمٍ، فَإذا ظَهَرَ الصُّبْحُ فَكَأنَّهُ صاحَ بِالأمانِ وبَشَّرَ بِالفَرَجِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَجِدُ كُلُّ مَرِيضٍ ومَهْمُومٍ خِفَّةً في وقْتِ السَّحَرِ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ يَقُولُ: قُلْ أعُوذُ بِرَبٍّ يُعْطِي إنْعامَ فَلَقِ الصُّبْحِ قَبْلَ السُّؤالِ، فَكَيْفَ بَعْدَ السُّؤالِ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ وُجِعَتْ رُكْبَتُهُ وجَعًا شَدِيدًا فَباتَ لَيْلَتَهُ ساهِرًا فَلَمّا قَرُبَ طُلُوعُ الصُّبْحِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإذْنِ اللَّهِ يُسَلِّيهِ ويَأْمُرُهُ بِأنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ادْعُ أنْتَ وأُؤَمِّنُ أنا فَدَعا جِبْرِيلُ وأمَّنَ يُوسُفُ فَكَشَفَ اللَّهُ ما كانَ بِهِ مِنَ الضُّرِّ، فَلَمّا طابَ وقْتُ يُوسُفَ قالَ جِبْرِيلُ: وأنا أدْعُو أيْضًا وتُؤَمِّنُ أنْتَ، فَسَألَ يُوسُفُ رَبَّهُ أنْ يَكْشِفَ الضُّرَّ عَنْ جَمِيعِ أهْلِ البَلاءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا جَرَمَ ما مِن مَرِيضٍ إلّا ويَجِدُ نَوْعَ خِفَّةٍ في آخِرِ اللَّيْلِ، ورُوِيَ أنَّ دُعاءَهُ في الجُبِّ: يا عُدَّتِي في شِدَّتِي ويا مُؤْنِسِي في وحْشَتِي ويا راحِمَ غُرْبَتِي ويا كاشِفَ كُرْبَتِي ويا مُجِيبَ دَعْوَتِي، ويا إلَهِي وإلَهَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ صِغَرَ سِنِّي وضَعْفَ رُكْنِي وقِلَّةَ حِيلَتِي يا حَيُّ يا قَيُّومُ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ.
الخامِسُ: لَعَلَّ تَخْصِيصَ الصُّبْحِ بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ وقْتُ دُعاءِ المُضْطَرِّينَ وإجابَةِ المَلْهُوفِينَ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الوَقْتِ الَّذِي يُفَرَّجُ فِيهِ عَنْ كُلِّ مَهْمُومٍ.
السّادِسُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ خَصَّ الصُّبْحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أُنْمُوذَجٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ كالأمْواتِ والدُّورَ كالقُبُورِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَخْرُجُ مِن دارِهِ مُفْلِسًا عُرْيانًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ومِنهم مَن كانَ مَدْيُونًا فَيُجَرُّ إلى الحَبْسِ، ومِنهم مَن كانَ مَلِكًا مُطاعًا فَتُقَدَّمُ إلَيْهِ المَراكِبُ ويَقُومُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَذا في يَوْمِ القِيامَةِ بَعْضُهم مُفْلِسٌ عَنِ الثَّوابِ عارٍ عَنْ لِباسِ التَّقْوى يُجَرُّ إلى المَلِكِ الجَبّارِ، ومَن عَبَدَ كانَ مُطِيعًا لِرَبِّهِ في الدُّنْيا فَصارَ مَلِكًا مُطاعًا في العُقْبى (p-١٧٦)يُقَدَّمُ إلَيْهِ البُراقُ.
السّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى خَصَّ الصُّبْحَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ وقْتُ الصَّلاةِ الجامِعَةِ لِأحْوالِ القِيامَةِ، فالقِيامُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ القِيامَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] والقِراءَةُ في الصَّلاةِ تُذَكِّرُ قِراءَةَ الكُتُبِ، والرُّكُوعُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ مِنَ القِيامَةِ قَوْلَهُ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] والسُّجُودُ في الصَّلاةِ يُذَكِّرُ قَوْلَهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] والقُعُودُ يَذَكِّرُ قَوْلَهُ: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] فَكانَ العَبْدُ يَقُولُ: إلَهِي كَما خَلَّصْتَنِي مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَخَلِّصْنِي مِن هَذِهِ الأهْوالِ، وإنَّما خُصَّ وقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّ لَها مَزِيدَ شَرَفٍ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ تَحْضُرُها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ وقْتُ الِاسْتِغْفارِ والتَّضَرُّعِ عَلى ما قالَ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] .
القَوْلُ الثّانِي في الفَلَقِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَفْلِقُهُ اللَّهُ كالأرْضِ عَنِ النَّباتِ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] والجِبالِ عَنِ العُيُونِ، وإنَّ مِنَ الأحْجارِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، والسَّحابِ عَنِ الأمْطارِ والأرْحامِ عَنِ الأوْلادِ، والبَيْضِ عَنِ الفَرْخِ، والقُلُوبِ عَنِ المَعارِفِ، وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ أكْثَرَهُ عَنِ انْقِلابٍ، بَلِ العَدَمُ كَأنَّهُ ظُلْمَةٌ والنُّورُ كَأنَّهُ الوُجُودُ، وثَبَتَ أنَّهُ كانَ اللَّهُ في الأزَلِ ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ البَتَّةَ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي فَلَقَ بِحارَ ظُلُماتِ العَدَمِ بِأنْوارِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الفَلَقِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: هو أنَّ المَوْجُودَ إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَإذا فَسَّرْنا الفَلَقَ بِهَذا التَّفْسِيرِ صارَ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ومُكَوِّنِ كُلِّ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ، فَيَكُونُ التَّعْظِيمُ فِيهِ أعْظَمَ، ويَكُونُ الصُّبْحُ أحَدَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في هَذا المَعْنى.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ يَكُونُ مَوْجُودًا بِغَيْرِهِ، مَعْدُومًا في حَدِّ ذاتِهِ، فَإذَنْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ حالَ حُدُوثِهِ ويُبْقِيهِ حالَ بَقائِهِ، فَإنَّ المُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ يَفْتَقِرُ إلى المُؤَثِّرِ، والتَّرْبِيَةُ إشارَةٌ لا إلى حالِ الحُدُوثِ بَلْ إلى حالِ البَقاءِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّكَ لَسْتَ مُحْتاجًا إلى حالِ الحُدُوثِ فَقَطْ بَلْ في حالِ الحُدُوثِ وحالِ البَقاءِ مَعًا في الذّاتِ وفي جَمِيعِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِ كُلِّ ما عَداهُ إلَيْهِ حالَتَيِ الحُدُوثِ والبَقاءِ في الماهِيَّةِ والوُجُودِ بِحَسَبِ الذَّواتِ والصِّفاتِ، وسِرُّ التَّوْحِيدِ لا يَصْفُو عَنْ شَوائِبِ الشِّرْكِ إلّا عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ المَعانِي.
وثالِثُها: أنَّ التَّصْوِيرَ والتَّكْوِينَ في الظُّلْمَةِ أصْعَبُ مِنهُ في النُّورِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أنا الَّذِي أفْعَلُ ما أفْعَلُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الأنْوارِ وظُهُورِ الأضْواءِ ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَأتّى إلّا بِالعِلْمِ التّامِّ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ أوْ جُبٌّ فِيها مِن قَوْلِهِمْ لِما اطْمَأنَّ مِنَ الأرْضِ: الفَلَقُ والجَمْعُ فُلْقانٌ، وعَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ أنَّهُ قَدِمَ الشّامَ فَرَأى دُورَ أهْلِ الذِّمَّةِ وما هم فِيهِ مِن خِصْبِ العَيْشِ، فَقالَ: لا أُبالِي، ألَيْسَ مِن ورائِهِمُ الفَلَقُ، فَقِيلَ: وما الفَلَقُ ؟ قالَ: بَيْتٌ في جَهَنَّمَ إذا فُتِحَ صاحَ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّعْذِيبِ العَظِيمِ الخارِجِ عَنْ حَدِّ أوْهامِ الخَلْقِ، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ أنَّ رَحْمَتَهُ أعْظَمُ وأكْمَلُ وأتَمُّ مِن عَذابِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: يا صاحِبَ العَذابِ الشَّدِيدِ أعُوذُ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي هي أعْظَمُ وأكْمَلُ وأتَمُّ وأسْبَقُ وأقْدَمُ مِن عَذابِكَ.
{"ayah":"قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











