الباحث القرآني

(واخْتُلِفَ) عَنِ ابْنِ عامِرٍ في ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ﴾، فَرَوى ابْنُ ذَكْوانَ والداجُونِيُّ عَنْ أصْحابِهِ عَنْ هِشامٍ بِتَخْفِيفِ النُونِ فَتَكُونُ " لا " نافِيَةً فَيَصِيرُ اللَفْظُ لَفْظَ الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَهْيُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَهُ، أوْ يُجْعَلُ حالًا مِن ﴿فاسْتَقِيما﴾ أيْ فاسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعِينَ وقِيلَ هي نُونُ التَوْكِيدِ الخَفِيفَةُ كُسِرَتْ كَما كُسِرَتِ الثَقِيلَةُ، أوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ الساكِنِينَ تَشْبِيهًا بِالنُونِ مِن رَجُلًا ويَفْعَلانِ، وقَدْ سُمِعَ كَسْرُها، وقَدْ أجازَ الفَرّاءُ ويُونُسُ إدْخالَها ساكِنَةً نَحْوَ اضْرِبانِ ولِيَضْرِبانِ زَيْدًا، ومَنَعَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُونُ هي الثَقِيلَةَ إلّا أنَّها اسْتُثْقِلَ تَشْدِيدُها فَخُفِّفَتْ كَما خُفِّفَتْ " رُبَّ "، وإنْ قالَ أبُو البَقاءِ، وغَيْرُهُ هي الثَقِيلَةُ وحَذْفُ النُونِ الأُولى مِنهُما تَخْفِيفًا، ولَمْ تُحْذَفِ الثانِيَةُ لِأنَّهُ لَوْ حَذَفَها حَذَفَ نُونًا مُحَرَّكَةً واحْتاجَ إلى تَحْرِيكِ الساكِنَةِ، وتَحْرِيكُ الساكِنَةِ أقَلُّ تَغْيِيرًا انْتَهى. و﴿تَتَّبِعانِّ﴾ عَلى أنَّ النُونَ نُونُ التَوْكِيدِ خَفِيفَةً، أوْ ثَقِيلَةً مَبْنًى. و" لا " قَبْلَهُ لِلنَّهْيِ. وانْفَرَدَ ابْنُ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ التاءِ الثانِيَةِ ساكِنَةً وفَتْحِ الباءِ مَعَ تَشْدِيدِ النُونِ، وكَذا رَوى سَلامَةُ بْنُ وهْرانَ أداءً عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ، قالَ الدانِيُّ: وذَلِكَ غَلَطٌ مِن أصْحابِ ابْنِ مُجاهِدٍ، ومِن سَلامَةَ لِأنَّ جَمِيعَ الشامِيِّينَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ (p-٢٨٧)ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ الأخْفَشِ سَماعًا وأداءً بِتَخْفِيفِ النُونِ وتَشْدِيدِ التاءِ، وكَذا نَصَّ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وكَذَلِكَ رَوى الداجُونِيُّ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ وهِشامٍ، جَمِيعًا. (قُلْتُ): قَدْ صَحَّتْ عِنْدَنا هَذِهِ القِراءَةُ، أعْنِي تَخْفِيفَ التاءِ مَعَ تَشْدِيدِ النُونِ مِن غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ وسَلامَةَ فَرَواها أبُو القاسِمِ عُبَيْدُ اللَهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الصَيْدَلانِيُّ عَنْ هِبَةِ اللَهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الأخْفَشِ نَصَّ عَلَيْها أبُو طاهِرِ بْنُ سَوّارٍ. وصَحَّ أيْضًا مِن رِوايَةِ التَغْلِبِيِّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ تَخْفِيفُ التاءِ والنُونِ جَمِيعًا ووَرَدَتْ أيْضًا عَنْ أبِي زُرْعَةَ وابْنِ الجُنَيْدِ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَيْسَ مِن طُرُقِنا، وانْفَرَدَ الهُذَلِيُّ بِهِ عَنْ هِشامٍ، وهو وهْمٌ - واللَهُ أعْلَمُ -. وَلا أعْلَمُ أحَدًا رَواها بِإسْكانِ النُونِ إلّا ما حَكاهُ الشَيْخُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ التاءِ، وإسْكانِ النُونِ، وهي الخَفِيفَةُ. (قُلْتُ): وذَهَبَ أبُو نَصْرٍ مَنصُورُ بْنُ أحْمَدَ العِراقِيُّ إلى أنَّ الوَقْفَ عَلَيْها في مَذْهَبِ مَن خَفَّفَ النُونَ بِالألِفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها عِنْدَهُ نُونُ التَوْكِيدِ الخَفِيفَةُ، ولَمْ أعْلَمْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، ولا يُؤْخَذُ بِهِ وإنْ كانَ قَدِ اخْتارَهُ الهُذَلِيُّ، وذَلِكَ لِشُذُوذِهِ قَطْعًا، ورَوى الحُلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ بِتَشْدِيدِ التاءِ الثانِيَةِ وفَتْحِها وكَسْرِ الباءِ وتَشْدِيدِ النُونِ، وكَذَلِكَ قَرَأ الباقُونَ، ونَصَّ كُلٌّ مِن أبِي طاهِرِ بْنِ سَوّارٍ والحافِظِ أبِي العَلاءِ عَلى الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَنِ الداجُونِيِّ تَخْيِيرًا عَنْ هِشامٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب