الباحث القرآني

(p-٣٤٦)سُورَةُ "اَلْحُجُراتِ" بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا﴾، "قَدَّمَهُ"، و"أقْدَمَهُ"، مَنقُولانِ بِتَثْقِيلِ الحَشْوِ، والهَمْزَةِ، مِن "قَدَمَهُ"، إذا تَقَدَّمَهُ، في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨]، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما وقَعَ في النَفْسِ مِمّا يُقَدَّمُ مِنَ القَوْلِ، أوِ الفِعْلِ، وجازَ ألّا يُقْصَدَ مَفْعُولٌ، والنَهْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى نَفْسِ التَقْدِمَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [المؤمنون: ٨٠] أوْ هو مِن "قَدَّمَ"، بِمَعْنى "تَقَدَّمَ"، كَـ "وَجَّهَ"، بِمَعْنى "تَوَجَّهَ"، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وهي الجَماعَةُ المُتَقَدِّمَةُ مِنهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: "لا تَقَدَّمُوا"، بِحَذْفِ إحْدى تاءَيْ "تَتَقَدَّمُوا"، ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: "جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ"، أنْ تَجْلِسَ بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُسامِتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وشِمالِهِ، قَرِيبًا مِنهُ، فَسُمِّيَتِ الجِهَتانِ "يَدَيْنِ"، لِكَوْنِهِما عَلى سَمْتِ اليَدَيْنِ، مَعَ القُرْبِ مِنهُما، تَوَسُّعًا، كَما يُسَمّى الشَيْءُ بِاسْمِ غَيْرِهِ، إذا جاوَرَهُ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ المَجازِ الَّذِي يُسَمّى "تَمْثِيلًا"، وفِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَصْوِيرُ الهُجْنَةِ، والشَناعَةِ فِيما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، دُونَ الِاحْتِذاءِ عَلى أمْثِلَةِ الكِتابِ والسُنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ (p-٣٤٧)يُجْرى مُجْرى قَوْلِكَ: "سَرَّنِي زَيْدٌ وحُسْنُ حالِهِ"، أيْ: "سَرَّنِي حُسْنُ حالِ زَيْدٍ"، فَكَذَلِكَ هُنا المَعْنى "بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ"، وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الدَلالَةُ عَلى قُوَّةِ الِاخْتِصاصِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اللهِ بِالمَكانِ الَّذِي لا يَخْفى، سَلَكَ بِهِ هَذا المَسْلَكَ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِما نَقَمَ مِنهُمْ، مِن رَفْعِ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ ﷺ، لِأنَّ مَن فَضَّلَهُ اللهُ بِهَذِهِ الأثَرَةِ، واخْتَصَّهُ هَذا الِاخْتِصاصَ، كانَ أدْنى ما يَجِبُ لَهُ مِنَ التَهَيُّبِ، والإجْلالِ، أنْ يُخْفَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَوْتُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَلاةِ، فَنَزَلَتْ، وأمَرَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْها - أنَّها نَزَلَتْ في النَهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَكِّ، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، فَإنَّكم إنِ اتَّقَيْتُمُوهُ عاقَتْكُمُ التَقْوى عَنِ التَقْدِمَةِ المَنهِيِّ عَنْها، ﴿إنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾، لِما تَقُولُونَ، ﴿عَلِيمٌ﴾، بِما تَعْمَلُونَ، وحَقُّ مِثْلِهِ أنْ يُتَّقى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب