الباحث القرآني

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾، مِن قَبْلِ العَذابِ، أوْ في الدُنْيا، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى "قَدْ كَفَرُوا"، عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، يَعْنِي: وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالغَيْبِ، أوْ بِالشَيْءِ الغائِبِ، يَقُولُونَ: "لا بَعْثَ ولا حِسابَ، ولا جَنَّةَ، ولا نارَ"، ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، عَنِ الصِدْقِ، أوْ عَنِ الحَقِّ، والصَوابِ، أوْ هو قَوْلُهم في رَسُولِ اللهِ ﷺ: شاعِرٌ، ساحِرٌ، كَذّابٌ، وهَذا تَكَلُّمٌ بِالغَيْبِ، والأمْرِ الخَفِيِّ، لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ سِحْرًا، ولا شِعْرًا، ولا كَذِبًا، وقَدْ أتَوْا بِهَذا الغَيْبِ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ مِن حالِهِ، لِأنَّ أبْعَدَ شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ السِحْرُ، والشِعْرُ، وأبْعَدَ شَيْءٍ مِن عادَتِهِ الَّتِي عُرِفَتْ بَيْنَهُمْ، وجُرِّبَتِ الكَذِبُ، "وَيُقْذَفُونَ"، "مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو"، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: تَأْتِيهِمْ بِهِ شَياطِينُهُمْ، ويُلَقِّنُونَهم إيّاهُ، وإنْ شِئْتَ فَعَلِّقْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ [سبإ: ٥٢] عَلى أنَّهُ مِثْلُهم في طَلَبِهِمْ تَحَصُّلَ ما عَطَّلُوا مِنَ الإيمانِ في الدُنْيا، بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا﴾ [سبإ: ٥٢] في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مَطْلَبٌ مُسْتَبْعَدٌ بِمَن يَقْذِفُ شَيْئًا مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ حَيْثُ يُرِيدُ أنْ يَقَعَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُ، بَعِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾ [سبإ: ٥٢] لِلْعَذابِ الشَدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وكانُوا يَقُولُونَ: "وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَصِفُونَ مِن قِيامِ الساعَةِ والعِقابِ والثَوابِ، ونَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ مِن أنْ يُعَذِّبَنا"، قائِسِينَ أمْرَ الآخِرَةِ عَلى أمْرِ الدُنْيا، فَهَذا كانَ قَذْفُهم بِالغَيْبِ، وهو غَيْبٌ، ومَقْذُوفٌ بِهِ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ، لِأنَّ دارَ الجَزاءِ لا تَنْقاسُ عَلى دارِ التَكْلِيفِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب