الباحث القرآني

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ ﴿مِن رَسُولٍ﴾ مِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ ﴿وَلا نَبِيٍّ﴾ هَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى ثُبُوتِ التَغايُرِ بَيْنَ الرَسُولِ والنَبِيِّ بِخِلافِ ما يَقُولُ البَعْضُ إنَّهُما واحِدٌ «وَسُئِلَ النَبِيُّ ﷺ عَنِ الأنْبِياءِ فَقالَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا فَقِيلَ فَكَمُ الرُسُلُ مِنهم فَقالَ ثَلَثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ » والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الرَسُولَ مَن جَمَعَ إلى المُعْجِزَةِ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ والنَبِيُّ مَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ وإنَّما أُمِرَ أنْ يَدْعُوَ إلى شَرِيعَةِ مَن قَبْلَهُ وقِيلَ الرَسُولُ واضِعُ شَرْعٍ والنَبِيُّ حافِظُ شَرْعِ غَيْرِهِ ﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ قَرَأ، قالَ ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ....... تَمَنِّيَ داوُدَ الزَبُورَ عَلى رِسْلِ ﴿ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ تِلاوَتِهِ قالُوا «إنَّهُ ﷺ كانَ في (p-٤٤٨)نادِي قَوْمِهِ يَقْرَأُ ﴿والنَجْمِ﴾ [النجم: ١] فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] جَرى عَلى لِسانِهِ تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى ولَمْ يَفْطِنْ لَهُ حَتّى أدْرَكَتْهُ العِصْمَةُ فَتَنَبَّهَ عَلَيْهِ » وقِيلَ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَأخْبَرَهم أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنَ الشَيْطانِ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ النَبِيُّ ﷺ بِها عَمْدًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ كُفْرٌ ولِأنَّهُ بُعِثَ طاعِنًا لِلْأصْنامِ لا مادِحًا لَها أوْ أجْرى الشَيْطانُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَبْرًا بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ وهو مُمْتَنِعٌ، لِأنَّ الشَيْطانَ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فَفي حَقِّهِ أوْلى أوْ جَرى ذَلِكَ عَلى لِسانِهِ سَهْوًا وغَفْلَةً وهو مَرْدُودٌ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِثْلُ هَذِهِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِ في حالِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقالَ ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَلَمّا بَطَلَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ لَمْ يَبْقَ إلّا وجْهٌ واحِدٌ وهو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَكَتَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] فَتَكَلَّمَ الشَيْطانُ بِهَذِهِ الكَلِماتِ مُتَّصِلًا بِقِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ فَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّهُ ﷺ هو الَّذِي تَكَلَّمَ بِها فَيَكُونُ هَذا إلْقاءً في قِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ وكانَ الشَيْطانُ يَتَكَلَّمُ في زَمَنِ النَبِيِّ ﷺ ويَسْمَعُ كَلامَهُ فَقَدْ رُوِيَ: أنَّهُ نادى يَوْمَ أُحُدٍ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ وقالَ يَوْمَ بَدْرٍ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ الناسِ وإنِّي جارٌ لَكم ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَيْطانُ﴾ أيْ: يَذْهَبُ بِهِ ويُبْطِلُهُ ويُخْبِرُ أنَّهُ مِنَ الشَيْطانِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُها ويَحْفَظُها مِن لُحُوقِ الزِيادَةِ مِنَ الشَيْطانِ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِما أوْحى إلى نَبِيِّهِ وبِقَصْدِ الشَيْطانِ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَدَعُهُ حَتّى يَكْشِفَهُ ويُزِيلَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لِيَفْتِنَ اللهُ تَعالى بِهِ قَوْمًا بِقَوْلِهِ (p-٤٤٩)
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب