الباحث القرآني
(p-٣٣٨)سُورَةُ الفِيلِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ألَمْ تُخْبَرْ فَتَعْلَمَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ.
الثّانِي: ألَمْ تَرَ آثارَ ما فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ أصْحابَ الفِيلِ.
واخْتُلِفَ في مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عامِ الفِيلِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عامِ الفِيلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِنهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عامُ الفِيلِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «وُلِدْتُ يَوْمَ الفِيلِ» . واخْتُلِفَ في سَبَبِ الفِيلِ عَلى قَوْلَيْنِ:(p-٣٣٩)
أحَدُهُما: ماحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ أبَرْهَةَ بْنَ الصَّباحِ بَنى بَيْعَةً بَيْضاءَ يُقالُ لَها القُلَّيْسُ، وكَتَبَ إلى النَّجاشِيِّ إنِّي لَسْتُ مُنْتَهِيًا حَتّى أصْرِفَ إلَيْها حَجَّ العَرَبِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ، فَخَرَجَ إلى القُلَّيْسِ ودَخَلَها لَيْلًا فَأحْدَثَ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبُرْهَةَ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَيَسِيرَنَّ إلى الكَعْبَةِ فَيَهْدِمَها، فَجَمَعَ الأحابِيشَ وجَنَّدَ الأجْنادَ، وسارَ، ودَلِيلُهُ أبُو رِغالٍ، حَتّى نَزَلَ بِالمُغَمَّسِ، وجَعَلَ عَلى مُقَدِّمَتِهِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ حَتّى سَبى سَرْحَ مَكَّةَ وفِيهِ مِائَتا بَعِيرٍ لَعَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ قَلَّدَ بَعْضَها، وفِيهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ بْنُ عامِرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ
؎ لاهُمَّ أخْزِ الأسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ الآخِذَ الهَجْمَةَ فِيها التَّقْلِيدْ ∗∗∗ بَيْنَ حِراءٍ، وثَبِيرٍ فالبِيدْ ∗∗∗ يَحْبِسُها وفي أُولاتٍ التَّطْرِيدْ ∗∗∗ فَضَمَّها إلى طَماطِمٍ سُودْ ∗∗∗ قَدْ أجْمَعُوا ألّا يَكُونَ مَعْبُودْ.
∗∗∗ ويَهْدِمُوا البَيْتَ الحَرامَ المَعْمُودْ ∗∗∗ والمَرْوَتَيْنِ والمَشاعِرَ السُّودْ
؎ اخْفِرْهُ يا رَبِّ وأنْتَ مَحْمُودْ
وَتَوَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وكانَ وسِيمًا جَسِيمًا لا تَأْخُذُهُ العَيْنُ إلى أبَرْهَةَ، وسَألَهُ في إبِلِهِ الَّتِي أُخِذَتْ، فَقالَ أبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أعْجَبْتَنِي حِينَ رَأيْتُكَ وقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ، قالَ: ولِمَ؟ قالَ: جِئْتُ لِأهْدِمَ بَيْتًا هو دِينُكَ ودِينُ آبائِكَ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي فِيهِ، وكَلَّمْتَنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ لَكَ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الإبِلُ أنا رَبُّها، ولِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ، فَقالَ أبَرْهَةُ: ما كانَ لِيَمْنَعَهُ مِنِّي، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: لَقَدْ طَلَبَتْهُ تُبَّعُ وسَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ وكِسْرى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وأنْتَ ذاكَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ، وخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وعادَ إلى مَكَّةَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا بِالتَّحَرُّزِ في الجِبالِ، وأتى البَيْتَ وأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ
؎ لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْ ∗∗∗ نَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ.
∗∗∗ لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم غَدْوًا مِحالَكْ.
∗∗∗ إنْ كُنْتَ تارِكَهم وقِبْ ∗∗∗ لَتَنا فَأمْرٌ ما بَدا لَكَ.
المِحالُ: القُوَّةُ.(p-٣٤٠)
الثّانِي: ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ يَزِيدُ أحَدُهُما ويَنْقُصُ أنَّ فِتْيَةً مِن قُرَيْشٍ خَرَجُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ تُجّارًا، فَنَزَلُوا عَلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى بَيْعَةِ النَّصارى في حِقْفٍ مِن أحْقافِها، قالَ الكَلْبِيُّ تُسَمّى البَيْعَةَ ماسِرِجْيانَ، وقالَ مُقاتِلٌ: تُسَمّى الهَيْكَلَ، فَأوْقَدُوا نارًا لِطَعامِهِمْ وتَرَكُوها وارْتَحَلُوا فَهَبَّتْ رِيحٌ عاصِفٌ فاضْطَرَمَتِ البَيْعَةُ نارًا فاحْتَرَقَتْ، فَأتى الصَّرِيخُ إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرَهُ، فاسْتَشاطَ غَضَبًا، وأتاهُ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ وأبُو يَكْسُومَ الكِنْدِيُّونَ، وضَمِنُوا لَهُ إحْراقَ الكَعْبَةِ وسَبْيَ مَكَّةَ، وكانَ النَّجاشِيُّ هو المَلِكُ، وأبْرَهَةُ صاحِبَ الجَيْشِ، وأبُو يَكْسُومَ نَدِيمَ المَلِكِ وقِيلَ وزِيرُهُ، وحَجَرُ بْنُ شَراحَبِيلَ مِن قُوّادِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أبُو يَكْسُومَ هو أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ، فَسارُوا بِالجَيْشِ ومَعَهُمُ الفِيلُ، قالَ الأكْثَرُونَ: هو فِيلٌ واحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ ثَمانِيَةَ فِيَلَةٍ، ونَزَلُوا بِذِي المَجازِ، واسْتاقُوا سَرْحَ مَكَّةَ، وفِيها إبِلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأتى الرّاعِي نَذِيرًا فَصَعِدَ الصَّفا وصاحَ: واصَباحاهُ! ثُمَّ أخْبَرَ النّاسَ بِمَجِيءِ الجَيْشِ والفِيلِ، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وتَوَجَّهَ إلى أبْرَهَةَ وسَألَهُ في إبِلِهِ، فَرَدَّها مُسْتَهْزِئًا لِيَعُودَ لِأخْذِها إذا دَخَلَ مَكَّةَ.
واخْتُلِفَ في النَّجاشِيِّ هَلْ كانَ مَعَهم أمْ لا، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ مَعَهم، وقالَ الآخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم.
وَتَوَجَّهَ الجَيْشُ إلى مَكَّةَ لِإحْراقِ الكَعْبَةِ، فَلَمّا ولّى عَبْدُ المُطَّلِبِ بِإبِلِهِ احْتَرَزَها في جِبالِ مَكَّةَ، وتَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ مِن طَرِيقِ مِنًى، وكانَ الفِيلُ إذا بُعِثَ إلى الحَرَمِ أحْجَمَ، وإذا عُدِلَ بِهِ عَنْهُ أقْدَمَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْمُ الفِيلِ مَحْمُودَ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ أهْلَ مَكَّةَ.
وَوَقَفُوا بِالمُغَمَّسِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْزُومٍ
؎ أنْتَ الجَلِيلُ رَبَّنا لَمْ تُدَنَّسْ ∗∗∗ أنْتَ حَبَسْتَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ ∗∗∗ حَبَسْتَهُ في هَيْئَةِ المُكَرْكَسِ ∗∗∗ وما لَهم مِن فَرَجٍ ومُنَفَّسِ.
المُكَرْكَسُ: المَطْرُوحُ المَنكُوسُ.(p-٣٤١)
وَبَصُرَ أهْلُ مَكَّةَ بِالطَّيْرِ قَدْ أقْبَلَتْ مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ غَرِيبَةٌ بِأرْضِنا، ما هي بِنَجْدِيَّةٍ ولا تَهامِيَّةٍ ولا حِجازِيَّةٍ، وإنَّها أشْباهُ اليَعاسِيبِ، وكانَ في مَناقِيرِها وأرْجُلِها حِجارَةٌ، فَلَمّا أطَلَّتْ عَلى القَوْمِ ألْقَتْها عَلَيْهِمْ حَتّى هَلَكُوا، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: جاءَتِ الطَّيْرُ عَشِيَّةً فَبانَتْ، ثُمَّ صَبَّحَتْهم بِالغَداةِ فَرَمَتْهم، وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: سَألْتُ عَنْها أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: فَقالَ: حَمامُ مَكَّةَ مِنها.
وَأفْلَتَ مِنَ القَوْمِ أبَرْهَةُ ورَجَعَ إلى اليَمَنِ فَهَلَكَ في الطَّرِيقِ.
وَقالَ الواقِدِيُّ: أبَرْهَةُ هو جَدُّ النَّجاشِيِّ الَّذِي كانَ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أيْقَنُوا بِهَلاكِ القَوْمِ، قالَ الشّاعِرُ
؎ أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطّالِبْ ∗∗∗ والأشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الغالِبْ
يَعْنِي بِالأشْرَمِ أبْرَهَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أرِياطَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ فَشَرَمَ أنْفَهُ وجَبِينَهُ، أيْ وقَعَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقالَ أبُو الصَّلْتِ بْنُ مَسْعُودٍ، وقِيلَ بَلْ قالَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ إنَّ آياتِ رَبِّنا ناطِقاتٌ ∗∗∗ لا يُمارِي بِهِنَّ إلّا الكَفُورُ.
∗∗∗ حَبَسَ الفِيلَ بِالمُغَمَّسِ حَتّى ∗∗∗ مَرَّ يَعْوِي كَأنَّهُ مَعْقُورُ.
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ لِأنَّهُمُ أرادُوا كَيْدَ قُرَيْشٍ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، وكَيْدَ البَيْتِ بِالتَّخْرِيبِ والهَدْمِ.
يُحْكى عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بَعْدَ ما حَكَيْناهُ عَنْهُ أنَّهُ أخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وقالَ
؎ يا رَبِّ لا نَرْجُو لَهم سِواكًا ∗∗∗ يا رَبِّ فامْنَعْ مِنهم حِماكا.
∗∗∗ إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مَن عاداكا ∗∗∗ امْنَعْهم أنْ يُخَرِّبُوا قُراكا.
ثُمَّ إنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ، يَنْظُرُ ما لَقُوا فَإذا القَوْمُ مُشْدَخُونَ، فَرَجَعَ يَرْكُضُ كاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ أبُوهُ قالَ: إنَّ ابْنِي أفْرَسُ العَرَبِ وما كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إلّا بَشِيرًا أوْ نَذِيرًا.
فَلَمّا دَنا مِن نادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهم قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وأصْحابُهُ فَأخَذُوا أمْوالَهم، فَكانَتْ أمْوالَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وبِها كانَتْ رِياسَةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِأنَّهُ احْتَمَلَ (p-٣٤٢)
ما شاءَ مِن صَفْراءَ وبَيْضاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ فَنَهَبُوا، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ
؎ أنْتَ مَنَعْتَ الحُبْشَ والأفْيالا ∗∗∗ وقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الأجْيالا ∗∗∗ وقَدْ خَشِينا مِنهُمُ القِتالا ∗∗∗ وكَلَّ أمْرٍ لَهم مِعْضالا
؎ وشُكْرًا وحْمْدًا لَكَ ذا الجَلالا.
وَيَحْتَمِلُ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ كَيْدَهم أضَلَّهم حَتّى هَلَكُوا.
الثّانِي: أنَّ هَلاكَهم أضَلَّ كَيْدَهم حَتّى بَطَلَ.
﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِن طَيْرِ السَّماءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُرَ قَبْلَها ولا بَعْدَها مِثْلُها ويَرْوِي جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إنَّها طَيْرٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ تُعَشِّشُ وتُفْرِّخُ)» . القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَنْقاءُ المَغْرِبُ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: أنَّها مِن طَيْرِ الأرْضِ، أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى مِن ناحِيَةِ البَحْرِ، مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، وحَجَرٌ في مِنقارِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وكانَتْ سُودًا، خُضْرَ المَناقِيرِ طُوالَ الأعْناقِ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ أشْباهَ الوَطاوِيطِ، وقالَتْ عائِشَةُ: كُنْ أشْباهَ الخَطاطِيفِ.
واخْتُلِفَ في ﴿أبابِيلَ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكَثِيرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ.
الثّانِي: المُتَتابِعَةُ الَّتِي يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّها المُتَفَرِّقَةُ مِن ها هُنا وها هُنا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٣)
؎ إنَّ سَلُولًا عَداكَ المَوْتُ عارِفَةُ ∗∗∗ لَوْلا سَلُولَ مَشَيْنا أبابِيلا
ايْ مُتَفَرِّقِينَ.
الرّابِعُ: أنَّ الأبابِيلَ المُخْتَلِفَةُ الألْوانِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الخامِسُ: أنْ تَكُونَ جَمْعًا بَعْدَ جَمْعٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ وعَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ
؎ وأبابِيلُ مِن خُيُولٍ عَلَيْها ∗∗∗ كَأُسُودِ الأداءِ تَحْتَ العَوالِي.
وَقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ: الأبابِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الإبِلِ المُؤَبَّلَةِ، وهي الأقاطِيعُ.
واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ هَلْ لِلْأبابِيلِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِ، فَذَهَبَأبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ إلى أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ كالعَبادِيدِ والسَّماطِيطِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ لَهُ واحِدٌ، واخْتَلَفُوا في واحِدِهِ، فَذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ الرُّؤّاسِيُّ إلى أنَّ واحِدَهُ إبّالَةُ مُشَدَّدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: واحِدُها إبْوَلُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ واحِدَهُ إبِّيلُ.
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السِّجِّيلَ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ هي سِنُّكَ وكُلُّ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها: طِينٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السِّجِّيلَ هو الشَّدِيدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ
؎ ورِجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عَرَضٍ ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلًا
الثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فَنُسِبَتِ الحِجارَةُ إلَيْها لِنُزُولِها مِنها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ بَحْرٍ مِنَ الهَواءِ، مِنهُ جاءَتِ الحِجارَةُ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفي مِقْدارِ الحَجَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ حَصى الخَذْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: كانَ الحَجَرُ فَوْقَ العَدَسَةِ ودُونَ الحُمُّصَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في دارِ أمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ كَأنَّها الجَزَعُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَمّا رَمَتِ الطَّيْرُ بِالحِجارَةِ بَعَثَ اللَّهُ رِيحَها فَزادَتْها شِدَّةً، وكانَتْ لا تَقَعُ عَلى أحَدٍ إلّا هَلَكَ ولَمْ يَسْلَمْ مِنهم إلّا رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ، فَقالَ
؎ فَإنَّكِ لَوْ رَأيْتِ ولَمْ تَرَيْهِ ∗∗∗ لَدى جِنْبِ المُغَمِّسِ ما لَقِينا ∗∗∗ خَشِيتُ اللَّهَ إذْ قَدْ بَثَّ طَيْرًا ∗∗∗ وظِلَّ سَحابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنا ∗∗∗ وباتَتْ كُلُّها تَدْعُو بِحَقٍّ ∗∗∗ كَأنَّ لَها عَلى الحُبْشانِ دَيْنًا
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ:(p-٣٤٤)
أحَدُها: أنَّ العَصْفَ ورَقُ الزَّرْعِ، والمَأْكُولَ الَّذِي قَدْ أكَلَهُ الدُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ العَصْفَ المَأْكُولَ هو الطَّعامُ، وهَذا قَوْلُ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قِشْرُ الحِنْطَةِ إذا أُكِلَ ما فِيهِ، رَواهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ورَقُ البَقْلِ إذا أكَلَتْهُ البَهائِمُ فَراثَتْهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ العَصْفَ التِّينُ والمَأْكُولَ القَصِيلُ لِلدَّوابِّ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، واخْتُلِفَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ خالِدَ بْنَ سِنانٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانَ تَمْهِيدًا وتَوْطِيدًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ وُلِدَ في عامِهِ وقِيلَ في يَوْمِهِ.
{"ayahs_start":1,"ayahs":["أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَـٰبِ ٱلۡفِیلِ","أَلَمۡ یَجۡعَلۡ كَیۡدَهُمۡ فِی تَضۡلِیلࣲ","وَأَرۡسَلَ عَلَیۡهِمۡ طَیۡرًا أَبَابِیلَ","تَرۡمِیهِم بِحِجَارَةࣲ مِّن سِجِّیلࣲ","فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفࣲ مَّأۡكُولِۭ"],"ayah":"أَلَمۡ تَرَ كَیۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَـٰبِ ٱلۡفِیلِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











