الباحث القرآني

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ العُدَّةُ ما يُعِدُّهُ الإنْسانُ ويُهَيِّئُهُ لِما يَفْعَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو نَظِيرُ الأُهْبَةِ وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الِاسْتِعْدادِ لِلْجِهادِ قَبْلَ وقْتِ وُقُوعِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ يَعْنِي خُرُوجَهم كانَ يَقَعُ عَلى وجْهِ الفَسادِ وتَخْذِيلِ المُسْلِمِينَ وتَخْوِيفِهِمْ مِنَ العَدُوِّ والتَّضْرِيبِ بَيْنَهم، والخُرُوجُ (p-٣٢٠)عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْصِيَةٌ وكُفْرٌ، فَكَرِهَهُ اللَّهُ تَعالى وثَبَّطَهم عَنْهُ إذْ كانَ مَعْصِيَةً، واَللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيْ مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ. وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لَهُمُ: اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قالَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ [التوبة: ٤٧] الآيَةَ. فِيهِ بَيانُ وجْهِ خُرُوجِهِمْ لَوْ خَرَجُوا، وإخْبارٌ أنَّ المَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ كانَتْ في تَخَلُّفِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُعاتَبَةَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَمْ يَخْرُجُوا أيْضًا فَيَظْهَرُ لِلْمُسْلِمِينَ كِذْبُهم ونِفاقُهم، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ خُرُوجَهم لَوْ خَرَجُوا عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ يَكُونُ مَعْصِيَةً وفَسادًا عَلى المُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ [التوبة: ٤٧] والخَبالُ الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ خَرَجُوا لَسَعَوْا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ في التَّضْرِيبِ وإفْسادِ القُلُوبِ والتَّخْذِيلِ عَنِ العَدُوِّ، فَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ اضْطِرابَ آرائِهِمْ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قالَ: ﴿ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ [التوبة: ٤٧] ولَمْ يَكُونُوا عَلى خَبالٍ يُزادُ فِيهِ ؟ قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، تَقْدِيرُهُ: ما زادُوكم قُوَّةً لَكِنْ طَلَبُوا لَكُمُ الخَبالَ. والآخَرُ: أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنهم قَدْ كانُوا عَلى خَبالٍ في الرَّأْيِ لِما يَعْرِضُ في النُّفُوسِ مِنَ التَّلَوُّنِ إلى أنِ اسْتَقَرَّ عَلى الصَّوابِ، فَيُقَوِّيهِ هَؤُلاءِ حَتّى يَصِيرَ خَبالًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ صَوابِ الرَّأْيِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب