الباحث القرآني
سُورَةُ المائِدَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُطَرِّفٍ (p-٢٨٣)والرَّبِيعِ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ والثَّوْرِيِّ قالُوا: " العُقُودُ في هَذا المَوْضِعِ أرادَ بِها العُهُودَ " .
ورَوى مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: " هي عُقُودُ الجاهِلِيَّةِ الحِلْفُ " .
ورَوى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ وأمّا حِلْفُ الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» .
ورَوى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: «حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في دارِنا؛ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا حِلْفَ في الإسْلامِ وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَقالَ: حالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في دارِنا. قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " إنَّما آخى بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ " .
قالَ أبُو بَكْرٍ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَلَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ أنَّهم في أوَّلِ الإسْلامِ قَدْ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالحِلْفِ دُونَ النَّسَبِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] إلى أنْ جَعَلَ اللَّهُ ذَوِي الأرْحامِ أوْلى مِنَ الحَلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] فَقَدْ كانَ حِلْفُ الإسْلامِ عَلى التَّناصُرِ والتَّوارُثِ ثابِتًا صَحِيحًا.
وأمّا قَوْلُهُ: " لا حِلْفَ في الإسْلامِ " فَإنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحِلْفَ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها الحِلْفُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ بَعْدَ نَسْخِ التَّوارُثِ بِالحِلْفِ. وقَدْ كانَ حِلْفُ الجاهِلِيَّةِ عَلى وُجُوهٍ: مِنها الحِلْفُ في التَّناصُرِ، فَيَقُولُ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ إذا حالَفَهُ: " دَمِي دَمُكَ وهَدْمِي هَدْمُكَ وتَرِثُنِي وأرِثُكَ " فَيَتَعاقَدانِ الحِلْفَ عَلى أنْ يَنْصُرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ فَيَدْفَعَ عَنْهُ ويَحْمِيَهُ بِحَقٍّ كانَ ذَلِكَ أوْ بِباطِلٍ؛ ومِثْلُهُ لا يَجُوزُ في الإسْلامِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَعاقَدا الحِلْفَ عَلى أنْ يَنْصُرَهُ عَلى الباطِلِ ولا أنْ يَزْوِيَ مِيراثَهُ عَنْ ذَوِي أرْحامِهِ ويَجْعَلَهُ لِحَلِيفِهِ؛ فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الحِلْفِ الَّذِي لا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الإسْلامِ. وقَدْ كانُوا يَتَعاقَدُونَ الحِلْفَ لِلْحِمايَةِ والدَّفْعِ، وكانُوا يَدْفَعُونَ إلى ضَرُورَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا نَشَرًا لا سُلْطانَ عَلَيْهِمْ يُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ ويَمْنَعُ القَوِيَّ عَنِ الضَّعِيفِ، فَكانَتِ الضَّرُورَةُ تُؤَدِّيهِمْ إلى التَّحالُفِ فَيَمْتَنِعُ بِهِ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وكانَ ذَلِكَ مُعْظَمَ ما يُرادُ الحِلْفُ مِن أجْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانُوا يَحْتاجُونَ إلى الجِوارِ وهو أنْ يُجِيرَ الرَّجُلُ أوِ الجَماعَةُ أوِ العِيرُ عَلى قَبِيلَةٍ ويُؤَمِّنَهم فَلا يَنْداهُ مَكْرُوهٌ مِنهم؛ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ بِقَوْلِهِ: " لا حِلْفَ في الإسْلامِ " هَذا الضَّرْبَ مِنَ الحِلْفِ. وقَدْ كانُوا يَحْتاجُونَ إلى الحِلْفِ في أوَّلِ الإسْلامِ (p-٢٨٤)لِكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ مِن سائِرِ المُشْرِكِينَ ومِن يَهُودِ المَدِينَةِ ومِنَ المُنافِقِينَ، فَلَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثَّرَ أهْلَهُ وامْتَنَعُوا بِأنْفُسِهِمْ وظَهَرُوا عَلى أعْدائِهِمْ، أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاسْتِغْنائِهِمْ عَنِ التَّحالُفِ؛ لِأنَّهم قَدْ صارُوا كُلُّهم يَدًا واحِدَةً عَلى أعْدائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّناصُرِ والمُوالاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " المُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلى مَن سِواهم " وقالَ: " ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، والنَّصِيحَةُ لِوُلاةِ الأمْرِ، ولُزُومُ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ دَعْوَتَهم تُحِيطُ مَن وراءَهم " .
فَزالَ التَّناصُرُ بِالحِلْفِ وزالَ الجِوارُ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: " ولَعَلَّكَ أنْ تَعِيشَ حَتّى تَرى المَرْأةَ تَخْرُجُ مِنَ القادِسِيَّةِ إلى اليَمَنِ بِغَيْرِ جِوارٍ " ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ». وأمّا قَوْلُهُ: «وما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَإنَّما يَعْنِي بِهِ الوَفاءَ بِالعَهْدِ مِمّا هو مُجَوَّزٌ في العُقُولِ مُسْتَحْسَنٌ فِيها، نَحْوُ الحِلْفِ الَّذِي عَقَدَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ حُمْرَ النَّعَمِ في دارِ ابْنِ جُدْعانَ وأنِّي أغْدِرُ بِهِ: هاشِمٌ وزُهْرَةُ وتَيْمٌ تَحالَفُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، ولَوْ دُعِيتُ إلى مِثْلِهِ في الإسْلامِ لَأجَبْتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ» .
وقِيلَ إنَّ الحِلْفَ كانَ عَلى مَنعِ المَظْلُومِ، وعَلى التَّأسِّي في المَعاشِ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ حَضَرَ هَذا الحِلْفَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وأنَّهُ لَوْ دُعِيَ إلى مِثْلِهِ في الإسْلامِ لَأجابَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وهو شَيْءٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ، بَلْ واجِبٌ فِيها قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: «لا حِلْفَ في الإسْلامِ» إنَّما أرادَ بِهِ الَّذِي لا تُجَوِّزُهُ العُقُولُ ولا تُبِيحُهُ الشَّرِيعَةُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «حَضَرْتُ حِلْفَ المُطَيِّبِينَ وأنا غُلامٌ، وما أُحِبُّ أنْ أنْكُثَهُ وأنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ» . وقَدْ كانَ حِلْفُ المُطَيِّبِينَ بَيْنَ قُرَيْشٍ عَلى أنْ يَدْفَعُوا عَنِ الحَرَمِ مَن أرادَ انْتِهاكَ حُرْمَتِهِ بِالقِتالِ فِيهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: «وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً» فَهو نَحْوُ حِلْفِ المُطَيِّبِينَ وحِلْفِ الفُضُولِ، وكُلِّ ما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ مِنَ المُعاقَدَةِ دُونَ ما كانَ مِنهُ مَعْصِيَةً لا تُجَوِّزُهُ الشَّرِيعَةُ.
والعَقْدُ في اللُّغَةِ هو الشَّدُّ، تَقُولُ: عَقَدْتُ الحَبْلَ، إذا شَدَدْتَهُ. واليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ تُسَمّى عَقْدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] والحِلْفُ يُسَمّى عَقْدًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ قالَ: " هي العُهُودُ والأيْمانُ " . ورُوِيَ عَنْ (p-٢٨٥)جابِرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ قالَ: " هي عُقْدَةُ النِّكاحِ والبَيْعِ والحِلْفِ والعَهْدِ " وزادَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مِن قَبْلِهِ: " وعَقْدُ الشَّرِكَةِ وعَقْدُ اليَمِينِ " .
ورَوى وكِيعٌ عَنْ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قالَ: " العُقُودُ سِتَّةٌ عَقْدُ الإيمانِ، وعَقْدُ النِّكاحِ، وعُقْدَةُ العَهْدِ، وعُقْدَةُ الشِّرى والبَيْعِ، وعُقْدَةُ الحِلْفِ " . وقالَ أبُو بَكْرٍ: العَقْدُ ما يَعْقِدُهُ العاقِدُ عَلى أمْرٍ يَفْعَلُهُ هو أوْ يَعْقِدُ عَلى غَيْرِهِ فِعْلَهُ عَلى وجْهِ إلْزامِهِ إيّاهُ؛ لِأنَّ العَقْدَ إذا كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ الشَّدَّ ثُمَّ نُقِلَ إلى الأيْمانِ، والعُقُودُ عُقُودُ المُبايَعاتِ ونَحْوِها، فَإنَّما أُرِيدَ بِهِ إلْزامُ الوَفاءِ بِما ذَكَرَهُ في إيجابِهِ عَلَيْهِ، وهَذا إنَّما يَتَناوَلُ مِنهُ ما كانَ مُنْتَظَرًا مُراعًى في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الأوْقاتِ، فَيُسَمّى البَيْعُ والنِّكاحُ والإجارَةُ وسائِرُ عُقُودِ المُعاوَضاتِ عُقُودًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ التَّمامَ عَلَيْهِ، والوَفاءَ بِهِ، وسُمِّيَ اليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ عَقْدًا؛ لِأنَّ الحالِفَ قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ الوَفاءَ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ والشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ ونَحْوُها تُسَمّى أيْضًا عُقُودًا لِما وصَفْنا مِنَ اقْتِضائِهِ الوَفاءَ بِما شَرَطَهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرِّبْحِ والعَمَلِ لِصاحِبِهِ وألْزَمَهُ نَفْسَهُ، وكَذَلِكَ العَهْدُ والأمانُ؛ لِأنَّ مُعْطِيَها قَدْ ألْزَمَ نَفْسَهُ الوَفاءَ بِها، وكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ شَرَطَهُ إنْسانٌ عَلى نَفْسِهِ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَهو عَقْدٌ، وكَذَلِكَ النُّذُورُ، وإيجابُ القُرَبِ وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ.
وما لا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَعْنًى في المُسْتَقْبَلِ يُنْتَظَرُ وُقُوعُهُ وإنَّما هو عَلى شَيْءٍ ماضٍ قَدْ وقَعَ فَإنَّهُ لا يُسَمّى عَقْدًا ألا تَرى أنَّ مَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَإنَّهُ لا يُسَمّى طَلاقُهُ عَقْدًا ؟ ولَوْ قالَ لَها: " إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ " كانَ ذَلِكَ عَقْدًا لِيَمِينٍ ؟ ولَوْ قالَ: " واَللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدّارَ أمْسِ " لَمْ يَكُنْ عاقِدًا لِشَيْءٍ ؟ ولَوْ قالَ: " لَأدْخُلَنَّها غَدًا " كانَ عاقِدًا ؟ ويَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لا يَصِحُّ إيجابُهُ في الماضِي ويَصِحُّ في المُسْتَقْبَلِ لَوْ قالَ: " عَلَيَّ أنْ أدْخُلَ الدّارَ أمْسِ " كانَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ مُسْتَحِيلًا، ولَوْ قالَ: " عَلَيَّ أنْ أدْخُلَها غَدًا " كانَ إيجابًا مَفْعُولًا.
فالعَقْدُ ما يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ في المُسْتَقْبَلِ، واليَمِينُ عَلى المُسْتَقْبَلِ إنَّما كانَتْ عَقْدًا؛ لِأنَّ الحالِفَ قَدْ أكَّدَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ في الماضِي؛ ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: " واَللَّهِ لَأُكَلِّمَنَّ زَيْدًا " فَهو مُؤَكِّدٌ عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ كَلامَهُ ؟ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: " واَللَّهِ لا كَلَّمْتُ زَيْدًا " كانَ مُؤَكِّدًا بِهِ نَفْيَ كَلامِهِ مُلْزِمًا نَفْسَهُ بِهِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ مِن نَفْيٍ أوْ إثْباتٍ؛ فَسُمِّيَ مِن أجْلِ التَّأْكِيدِ الَّذِي في اللَّفْظِ عَقْدًا تَشْبِيهًا بِعَقْدِ الحَبْلِ الَّذِي هو بِيَدِهِ والِاسْتِيثاقُ بِهِ، ومِن أجْلِهِ كانَ النَّذْرُ عَقْدًا ويَمِينًا؛ لِأنَّ النّاذِرَ مُلْزِمٌ نَفْسَهُ ما نَذَرَهُ ومُؤَكِّدًا عَلى نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَهُ أوْ يَتْرُكَهُ. (p-٢٨٦)ومَتى صُرِفَ الخَبَرُ إلى الماضِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا كَما لا يَكُونُ ذَلِكَ إيجابًا وإلْزامًا ونَذْرًا، وهَذا يُبَيِّنُ مَعْنى ما ذَكَرْنا مِنَ العَقْدِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ والإلْزامِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَقْدَ هو ما تَعَلَّقَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ دُونَ الماضِي، أنَّ ضِدَّ العَقْدِ هو الحَلُّ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما قَدْ وقَعَ لا يُتَوَهَّمُ لَهُ حَلٌّ عَمّا وقَعَ عَلَيْهِ بَلْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِيهِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الحَلُّ ضِدًّا لَما وقَعَ في الماضِي عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَقْدًا لَكانَ لَهُ ضِدٌّ مِنَ الحَلِّ يُوصَفُ بِهِ كالعَقْدِ عَلى المُسْتَقْبَلِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ " إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ " و" أنْتِ طالِقٌ إذا جاءَ غَدٌ " هو عَقْدٌ ولا يَلْحَقُهُ الِانْتِقاضُ والفَسْخُ. قِيلَ لَهُ جائِزٌ أنْ لا يَقَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِها قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَهو مِمّا يُوصَفُ بِضِدِّهِ. مِنَ الحَلِّ، ولِذَلِكَ قالَ أبُو حَنِيفَةَ فِيمَن قالَ: " إنْ لَمْ أشْرَبِ الماءَ الَّذِي في هَذا الكُوزِ فَعَبْدِي حُرٌّ " ولَيْسَ في الكُوزِ ماءٌ، إنَّ يَمِينَهُ لا تَنْعَقِدُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقِيضٌ مِنَ الحَلِّ، ولَوْ قالَ: " إنْ لَمْ أصْعَدِ السَّماءَ فَعَبْدِي حُرٌّ حَنِثَ بَعْدَ انْعِقادِ يَمِينِهِ؛ لِأنَّ لِهَذا العَقْدِ نَقِيضًا مِنَ الحَلِّ، " وإنْ كُنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَبَرُّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَقَدَ اليَمِينَ عَلى مَعْنًى مُتَوَهَّمٍ مَعْقُولٍ، وإذا كانَ صُعُودُ السَّماءِ مَعْنًى مُتَوَهَّمًا مَعْقُولًا، وكَذَلِكَ تَرْكُهُ مَعْقُولٌ جائِزٌ، وشُرْبُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مُسْتَحِيلٌ تَوَهُّمُهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَقْدًا.
وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ عَلى إلْزامِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ والذِّمَمِ الَّتِي نَعْقِدُها لِأهْلِ الحَرْبِ وأهْلِ الذِّمَّةِ والخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ النّاسِ، وعَلى إلْزامِ الوَفاءِ بِالنُّذُورِ والأيْمانِ؛ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وعَهْدُ اللَّهِ تَعالى أوامِرُهُ ونَواهِيهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أيْ بِعُقُودِ اللَّهِ فِيما حَرَّمَ وحَلَّلَ؛ وعَنِ الحَسَنِ قالَ: " يَعْنِي عُقُودَ الدِّينِ " . واقْتَضى أيْضًا الوَفاءَ بِعُقُودِ البِياعاتِ والإجاراتِ والنِّكاحاتِ، وجَمِيعِ ما يَتَناوَلُهُ اسْمُ العُقُودِ، فَمَتى اخْتَلَفْنا في جَوازِ عَقْدٍ أوْ فَسادِهِ وفي صِحَّةِ نَذْرٍ ولُزُومِهِ صَحَّ الِاحْتِجاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ لِاقْتِضاءِ عُمُومِهِ جَوازَ جَمِيعِها مِنَ الكَفالاتِ والإجاراتِ والبُيُوعِ وغَيْرِها.
ويَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ في جَوازِ الكَفالَةِ بِالنَّفْسِ، وبِالمالِ وجَوازِ تَعَلُّقِها عَلى الأخْطارِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها. وقَوْلُهُ ﷺ: «والمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» في مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وهو عُمُومٌ في إيجابِ الوَفاءِ بِجَمِيعِ ما يَشْرِطُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ ما لَمْ تَقُمْ دَلالَةً (p-٢٨٧)تُخَصِّصُهُ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ يَمِينًا أوْ نَذْرًا أوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ الوَفاءُ بِشَرْطِهِ ويَكُونُ عَقْدُهُ لِذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ ما شَرَطَهُ وأوْجَبَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: أمّا النُّذُورُ فَهي عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: مِنها نَذْرُ قُرْبَةٍ، فَيَصِيرُ واجِبًا بِنَذْرِهِ بَعْدَ أنْ كانَ فِعْلُهُ قُرْبَةً غَيْرَ واجِبٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] فَذَمَّهم عَلى تَرْكِ الوَفاءِ بِالمَنذُورِ نَفْسَهُ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: «أوْفِ بِنَذْرِكَ» حِينَ نَذَرَ أنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلِهِ ﷺ: «مَن نَذَرَ نَذْرًا سَمّاهُ فَعَلَيْهِ أنْ يَفِيَ بِهِ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ»؛ فَهَذا حُكْمُ ما كانَ قُرْبَةً مِنَ المَنذُورِ في لُزُومِ الوَفاءِ بِهِ بِعَيْنِهِ وقِسْمٌ آخَرُ: وهو ما كانَ مُباحًا غَيْرَ قُرْبَةٍ، فَمَتى نَذَرَهُ لا يَصِيرُ واجِبًا ولا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، فَإذا أرادَ بِهِ يَمِينًا فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا لَمْ يَفْعَلْهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُكَلِّمَ زَيْدًا وأدْخُلَ هَذِهِ الدّارَ وأمْشِيَ إلى السُّوقِ " فَهَذِهِ أُمُورٌ مُباحَةٌ لا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في القُرَبِ لا يَصِيرُ قُرْبَةً بِالإيجابِ، كَما أنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الوُجُوبِ لا يَصِيرُ واجِبًا بِالنَّذْرِ؛ فَإنْ أرادَ بِهِ اليَمِينَ كانَ يَمِينًا وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ إذا حَنَثَ.
والقِسْمُ الثّالِثُ: نَذْرُ المَعْصِيَةِ، نَحْوُ أنْ يَقُولَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ فُلانًا أوْ أشْرَبَ الخَمْرَ أوْ أغْصِبَ فُلانًا مالَهُ " فَهَذِهِ أُمُورٌ هي مَعاصٍ لِلَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ لَهُ الإقْدامُ عَلَيْها لِأجْلِ النَّذْرِ وهي باقِيَةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَظْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في إيجابِ ما لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مِنَ المُباحاتِ أنَّها لا تَصِيرُ واجِبَةً بِالنَّذْرِ، كَما أنَّ ما كانَ مَحْظُورًا لا يَصِيرُ مُباحًا ولا واجِبًا بِالنَّذْرِ، وتَجِبُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ إذا أرادَ يَمِينًا وحَنَثَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، فالنَّذْرُ يَنْقَسِمُ إلى هَذِهِ الأنْحاءِ.
وأمّا الأيْمانُ فَإنَّها تُعْقَدُ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ مِن قُرْبَةٍ أوْ مُباحٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، فَإذا عَقَدَها عَلى قُرْبَةٍ لَمْ تَصِرْ واجِبَةً بِاليَمِينِ، ولَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوَفاءِ بِهِ فَإنْ لَمْ يَفِ بِهِ وحَنَثَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «بَلَغَنِي أنَّكَ قُلْتَ واَللَّهِ لَأصُومَنَّ الدَّهْرَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: فَلا تَفْعَلْ ولَكِنْ صُمْ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالَ: إنِّي أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ إلى أنْ ورَدَهُ إلى أنْ يَصُومَ يَوْمًا ويُفْطِرَ (p-٢٨٨)يَوْمًا»، فَلَمْ يَلْزَمْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ بِاليَمِينِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اليَمِينَ لا يُلْزَمُ بِها المَحْلُوفُ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: " واَللَّهِ لَأصُومَنَّ غَدًا " ثُمَّ لَمْ يَصُمْهُ: فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ وعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
والقِسْمُ الآخَرُ مِنَ الأيْمانِ: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى مُباحٍ أنْ يَفْعَلَهُ فَلا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ كَما لا يَلْزَمُهُ فِعْلُ القُرْبَةِ المَحْلُوفِ عَلَيْها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ وإنْ شاءَ تَرَكَ، فَإنْ حَنَثَ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ.
والقِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْلِفَ عَلى مَعْصِيَةٍ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَفْعَلَها بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَحْنَثَ في يَمِينِهِ ويُكَفِّرَ عَنْها، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، وقالَ: «إنِّي لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا فَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِما كانَ مِنهُ مِنَ الخَوْضِ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالرُّجُوعِ إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قِيلَ في الأنْعامِ إنَّها الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وقالَ بَعْضُهم: الإطْلاقُ يَتَناوَلُ الإبِلَ وإنْ كانَتْ مُنْفَرِدَةً، ويَتَناوَلُ البَقَرَ والغَنَمَ إذا كانَتْ مَعَ الإبِلِ، ولا تَتَناوَلُهُما مُنْفَرِدَةً عَنِ الإبِلِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ القَوْلُ الأوَّلُ.
وقِيلَ: إنَّ الأنْعامَ تَقَعُ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ وعَلى الظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ ولا يَدْخُلُ فِيها الحافِرُ؛ لِأنَّهُ أُخِذَ مِن نُعُومَةِ الوَطْءِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ اسْتِثْناؤُهُ الصَّيْدَ مِنها بِقَوْلِهِ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الحافِرَ غَيْرُ داخِلٍ في الأنْعامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] فَلَمّا اسْتَأْنَفَ ذِكْرَها وعَطَفَها عَلى الأنْعامِ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنها.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في جَنِينِ البَقَرَةِ: " إنَّها بَهِيمَةُ الأنْعامِ " وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ مِنَ الأنْعامِ. وإنَّما قالَ ﴿بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ وإنْ كانَتِ الأنْعامُ كُلُّها مِنَ البَهائِمِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " أحَلَّ لَكُمُ البَهِيمَةَ الَّتِي هي الأنْعامُ " فَأضافَ البَهِيمَةَ إلى الأنْعامِ وإنْ كانَتْ هي، كَما تَقُولُ نَفْسُ الإنْسانِ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ هَذِهِ الإباحَةَ مَعْقُودَةٌ بِشَرْطِ الوَفاءِ بِالعُقُودِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الوَفاءَ بِالعُقُودِ شَرْطًا لِلْإباحَةِ ولا أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المُجازاةِ، ولَكِنَّهُ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْنا بِلَفْظِ الإيمانِ في قَوْلِهِ (p-٢٨٩)تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾
ولا يُوجِبُ ذَلِكَ الِاقْتِصارَ بِالإباحَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلِ الإباحَةُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ كُفّارًا كانُوا أوْ مُؤْمِنِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] وهو حُكْمٌ عامٌّ في المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ مَعَ وُرُودِ اللَّفْظِ خاصًّا بِخِطابِ المُؤْمِنِينَ.
وكَذَلِكَ كُلُّ ما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ فَهو مُباحٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ، كَما أنَّ كُلَّ ما أوْجَبَهُ وفَرَضَهُ فَهو فَرْضٌ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ إلّا أنْ يَخُصَّ بَعْضَهم دَلِيلٌ؛ وكَذَلِكَ قُلْنا: إنَّ الكُفّارَ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعِقابِ عَلى تَرْكِ الشَّرائِعِ كَما يَسْتَحِقُّونَ عَلى تَرْكِ الإيمانِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ ذَبْحُ البَهائِمِ مَحْظُورًا إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ، فَمَن لَمْ يَعْتَقِدْ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِباحَتُهُ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ فَحُكْمُهُ في حَظْرِهِ عَلَيْهِ باقٍ عَلى الأصْلِ، وقائِلُ هَذا القَوْلِ يَقُولُ إنَّ ذَبْحَ البَهائِمِ مَحْظُورٌ عَلى الكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ مِنهم وغَيْرِهِمْ وهم عُصاةٌ في ذَبْحِها، وإنْ كانَ أكْلُ ما ذَبَحَهُ أهْلُ الكِتابِ مُباحًا لَنا. وزَعَمَ هَذا القائِلُ أنَّ لِلْمُلْحِدِ أنْ يَأْكُلَ بَعْدَ الذَّبْحِ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَذْبَحَ.
ولَيْسَ هَذا عِنْدَ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أهْلُ الكِتابِ عُصاةً بِذَبْحِهِمْ لِأجْلِ دِياناتِهِمْ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ ذَبائِحُهم غَيْرَ مُذَكّاةٍ، مِثْلُ المَجُوسِيِّ لَمّا كانَ مَمْنُوعًا مِنَ الذَّبْحِ لِأجْلِ اعْتِقادِهِ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُهُ ذَكاةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكِتابِيَّ غَيْرُ عاصٍ في ذَبْحِ البَهائِمِ وأنَّهُ مُباحٌ لَهُ كَهو لَنا. وأمّا قَوْلُهُ: " إنَّهُ إذا لَمْ يَعْتَقِدْ صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِباحَتُهُ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ فَحُكْمُ حَظْرِ الذَّبْحِ قائِمٌ عَلَيْهِ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قَدْ قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ السَّمْعِ بِكُتُبِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ في إباحَةِ ذَبْحِ البَهائِمِ. وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ ذَكاتِهِ؛ لِأنَّ رَجُلًا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلى الذَّبِيحَةِ عامِدًا لَكانَ عِنْدَنا عاصِيًا بِذَلِكَ، وكانَ لِمَن يَعْتَقِدُ جَوازَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْها أنْ يَأْكُلَها، ولَمْ يَكُنْ كَوْنُ الذّابِحِ عاصِيًا مانِعًا صِحَّةَ ذَكاتِهِ.
* * *
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾: " يَعْنِي قَوْلَهُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيِّتَةُ والدَّمُ وسائِرُ ما حُرِّمَ في القُرْآنِ " . وقالَ آخَرُونَ: " إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِن أكْلِ الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ " . فَكَأنَّهُ قالَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في نَسَقِ هَذا الخِطابِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ، عَلى نَحْوِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُجْمَلًا؛ لِأنَّ ما قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ هو مَعْلُومٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (p-٢٩٠)﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ عُمُومًا في إباحَةِ جَمِيعِها إلّا ما خَصَّهُ الآيُ الَّتِي فِيها تَحْرِيمُ ما حُرِّمَ مِنها، وجَعَلَ هَذِهِ الإباحَةَ مُرَتَّبَةً عَلى آيِ الحَظْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلّا ما يَبِينُ حُرْمَتُهُ؛ فَيَكُونُ مُؤْذِنًا بِتَحْرِيمِ بَعْضِها عَلَيْنا في وقْتٍ ثانٍ، فَلا يَسْلُبُ ذَلِكَ الآيَةَ حُكْمَ العُمُومِ أيْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ بَعْضَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ الآنَ تَحْرِيمًا يَرِدُ بَيانُهُ في الثّانِي، فَهَذا يُوجِبُ إجْمالَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ لِاسْتِثْنائِهِ بَعْضَها، فَهو مَجْهُولُ المَعْنى عِنْدَنا، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَمِلًا عَلى إباحَةٍ وحَظْرٍ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ويَكُونُ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلى البَيانِ. وأوْلى الأشْياءِ بِنا إذا كانَ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ لِما وصَفْنا مِنَ الإجْمالِ والعُمُومِ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى العُمُومِ لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِ، فَيَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ في القُرْآنِ مِنَ المَيْتَةِ ونَحْوِها.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ يَقْتَضِي تِلاوَةً مُسْتَقْبَلَةً لا تِلاوَةً ماضِيَةً، وما قَدْ حَصَلَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تُلِيَ عَلَيْنا فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى تِلاوَةٍ تَرِدُ في الثّانِي قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ ما قَدْ تُلِيَ عَلَيْنا ويُتْلى في الثّانِي؛ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى حالٍ ماضِيَةٍ دُونَ مُسْتَقْبَلَةٍ، بَلْ عَلَيْنا تِلاوَتُهُ في المُسْتَقْبَلِ كَما تَلَوْناهُ في الماضِي، فَتِلاوَةُ ما قَدْ نَزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ مُمْكِنَةٌ في المُسْتَقْبَلِ؛ وتَكُونُ حِينَئِذٍ فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ إبانَةً عَنْ بَقاءِ حُكْمِ المُحَرَّماتِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وأنَّهُ غَيْرُ مَنسُوخٍ، ولَوْ أُطْلِقَ اللَّفْظُ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ مَعَ تَقَدُّمِ نُزُولِ تَحْرِيمِ كَثِيرٍ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ لَأوْجَبَ ذَلِكَ نَسْخَ التَّحْرِيمِ وإباحَةَ الجَمِيعِ مِنها.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾
قالَ أبُو بَكْرٍ: فَمِنَ النّاسِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى مَعْنى: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِن أكْلِ الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ؛ فَيَكُونُ المُسْتَثْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الصَّيْدَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى المُحْرِمِينَ. وهَذا تَأْوِيلٌ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ويَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم، وهو تَحْرِيمُ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ؛ وذَلِكَ تَعَسُّفٌ في التَّأْوِيلِ. ويُوجِبُ ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن إباحَةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ مَقْصُورًا عَلى الصَّيْدِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ المَيْتَةَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ مُسْتَثْناةٌ مِنَ الإباحَةِ؛ فَهَذا تَأْوِيلٌ لا وجْهَ لَهُ. ثُمَّ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مُسْتَثْنًى مِمّا يَلِيهِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَيَصِيرُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم إلّا مُحَلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِإباحَةِ الصَّيْدِ في الإحْرامِ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ (p-٢٩١)المَحْظُورِ؛ إذْ كانَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ سِوى الصَّيْدِ مِمّا قَدْ بُيِّنَ وسَيُبَيَّنُ تَحْرِيمُهُ في الثّانِي، أوْ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أوْفُوا بِالعُقُودِ غَيْرَ مُحَلِّي الصَّيْدِ وأُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَوۡفُوا۟ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِیمَةُ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ إِلَّا مَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡكُمۡ غَیۡرَ مُحِلِّی ٱلصَّیۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ یَحۡكُمُ مَا یُرِیدُ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق