الباحث القرآني
قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الذين} : قرأ الجمهورُ بسكون اللام في الأفعال الثلاثةِ. وهي لامُ الأمر، والفعلُ بعدها مجزومٌ بها. وقرأَ الحسن وعيسى بن عمر بكسرِ اللامِ في الأفعالِ الثلاثةِ، وهو الأصلُ، والإِسكانُ تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبِّهوا «وَلْيخش» ب «كَتِف» وهذا كما تقدَّم الكلامُ في نحو: «وهي» و «لَهْي» في أول البقرة.
و «لو» هذه فيها احتمالان، أحدُهما: أنَّها على بابِها مِنْ كونِها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، أو حرفَ امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين. والثاني: أنها بمعنى «إنْ» الشرطية. وإلى الاحتمال الأولِ ذهب ابن عطية والزمخشري. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: ما معنى وقوعِ» لو تركوا «وجوابِه صلةً ل» الذين «؟ قلت: معناه: وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أَنهم لو شارَفوا أَنْ يَتْرُكُوا خلفَهم ذريةً ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياعَ بعدهم لذهابِ كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل:
1550 - لقد زادَ الحياةَ إليَّ حُبَّاً ... بناتِي أنَّهن من الضِعافِ
أُحاذِرُ أن يَرَيْنَ البؤس بعدي ... وأن يَشْرَبْنَ رنْقاً بعد صافي وقال ابن عطية:» تقديرُه: لو تَرَكُوا لخافُوا، ويجوزُ حذفُ اللامِ من جواب لو «، ووجهُ التمسُّكِ بهذه العبارةِ أنه جَعَلَ اللامَ مقدرةً في جوابِها، ولو كانت» لو «بمعنى» إنْ «الشرطية لَما جاز ذلك، وقد صَرَّح غَيرُهما بذلك، فقال:» لو تركوا «» لو «يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و» خافوا «جوابُ» لو «.
وإلى الاحتمال الثاني ذهب أبو البقاء وابن مالك، قال ابن مالك:» لو «هنا شرطيةٌ بمعنى» إنْ «، فتقلِبُ الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير: وَلْيخش الذين إنْ تركوا، ولو وقع بعد» لو «هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بعد» إنْ «وأنشد:
1551 - لا يُلْفِكُ الرَّاجوك إلا مُظْهِراً ... خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيما
أي: وإنْ تكن عديماً. ومثلُ هذا البيتِ الذي أنشده قولُ الآخر:
1552 - قومٌ إذا حارَبُوا شدَّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النساءِ ولو باتَتْ بأطْهارِ
والذي ينبغي: أن تكونَ على بابِها من كونِها تعليقاً في الماضي.
وإنما حَمَل ابنَ مالك وأبا البقاء على جَعْلِها بمعنى» إنْ «توهُّمُ أنه لَمَّا أمر بالخشية والأمرُ مستقبل ومتعلَّقُ الأمر موصولٌ لم يَصِحَّ أن تكون الصلةُ ماضيةً على تقدير دلالتِه على العَدَمِ الذي يُنَافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ» لو «لفظُ» إنْ «، ولأجلِ هذا التوَهُّمِ لم يُدْخِل الزمخشري» لو «على فعل مستقبل، بل أتى بفعلٍ ماضٍ مسندٍ للموصولِ حالةَ الأمر فقال:» وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أنهم لو شارَفُوا أن يتركوا «.
قال الشيخ: «وهذا الذي توهَّموه لا يلزم، إلا إنْ كانت الصلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذ معنى» لو تركوا من خلفهم «أي: ماتوا فتركوا مِنْ خلفهم، فلو كان كذلك لَلزم التأويلُ في» لو «أَنْ تكونَ بمعنى» إنْ «إذ لا يجامِعُ الأمرُ بإيقاعِ فعلٍ مَنْ مات بالفعل، أمَّا إذا كان ماضياً على تقديرٍ فيصِحُّ أن يقع صلةً. وأن يكونَ العاملُ في الموصولِ الفعلَ المستقبل، نحو قولِك: ليزُرْنا الذي لو مات أمسِ لبكيناه» انتهى.
وأمَّا البيتان المتقدِّمان فلا يلزمُ مِنْ صحةِ جَعْلِها فيهما بمعنى «إنْ» أن تكونَ في الآيةِ كذلك. لأنَّا في البيتين نضطرُ إلى ذلك: أمَّا البيتُ الأولُ فلأنَّ جوابَ «لو» محذوفٌ مدلولٌ عليه بقولِه: «لا يُلْفِك» وهو نَهْيٌ، والنهيُ مستقبلٌ فلذلك كانت «لو» تعليقاً في المستقبل. أما البيتُ الثاني فلدخولِ ما بعدَها في حَيِّزِ «إذا» ، و «إذا» للمستقبل.
ومفعول «وَلْيَخْشَ» محذوفٌ أي: وَلْيخش الله. ويجوزُ أَنْ تكون المسألةُ من بابِ التنازع، فإنَّ «وَلْيخش» يطلبُ الجلالةَ، وكذلك «فليتقوا» ، ويكونُ من إعمالِ الثاني للحذفِ من الأول.
قوله: {مِنْ خَلْفِهِمْ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلِّقٌ ب «تركوا» ظرفاً له. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «ذرية» ، لأنَّه في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.
وأمال حمزةُ ألفَ «ضِعافاً» ولم يُبالِ بحرفِ الاستعلاءِ لانكسارِه، ففيه انحدارٌ فلم ينافِرِ الإِمالةَ.
وقرأ ابن محيصن: «ضُعُفاً» بضمِّ الضاد والعين، وتنوين الفاء. والسلمي وعائشة: «ضعفاء» بضمِّ الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مقيس في فعيل صفةً نحو: ظَريف وظُرَفاء وكريم وكُرَماء. وقرىء «ضَعافَى» بالفتحِ والإِمالة نحو: سَكارى. وظاهر عبارةِ الزمخشري أنه قُرِىءَ: «ضُعافى» بضم الضاد مثل سُكارى، فإنه قال: «وقُرىء ضُعَفَاء وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى» فيُحتملِ أَنْ يريد أنه قُرِىء بضم الضاد وفتحِها، ويُحتمل أن يريدَ أنه قُرىء: «ضَعافى» بفتح الضاد دونَ إمالة، و «ضَعافَى» بفتحِها مع الإِمالة كسَكارى بفتحِ السين دونَ إمالة، وسَكارى بفتحها مع الإِمالة، والظاهرُ الأولُ، والغالبُ على الظن أنها لم تُنْقل قراءة.
وأمال حمزة ألفَ «خاف» للكسرةِ المقدرةِ في الألف، إذ الأصل «خَوِف» بكسر العين بدليلِ فتحِها في المضارع نحو: «يخاف» ، وعَلَّل أبو البقاء ذلك بأنَّ الكسر قد يَعْرِض في حال من الأحوال، وذلك إذا أُسْنِدَ الفعل إلى ضمير المتكلم/ أو إحدى أخواته نحو: خِفْت وخِفْنا، والجملةُ من «لو» وجوابِها صلةُ «الذين» .
{"ayah":"وَلۡیَخۡشَ ٱلَّذِینَ لَوۡ تَرَكُوا۟ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّیَّةࣰ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَیۡهِمۡ فَلۡیَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلۡیَقُولُوا۟ قَوۡلࣰا سَدِیدًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











