الباحث القرآني
قوله تعالى: {فِي الدنيا} : فيه خمسةُ أوجهٍ، أظهرُها: أن يتعلَّقَ بيتفكرون على معنى يتفكرون في أمرهما، فيأخذونَ ما هو الأصلحُ، ويُؤْثِرُون ما هو أبقى نفعاً. والثاني: أن يتعلَّقَ ب «يبيِّن» ويُرْوَى معناه عن الحسن، وحينئذٍ يُحْتَمَلُ أن يُقَدَّر مضافٍ، أي: في أمرِ الدنيا والآخرة، ويُحْتَمل ألاَّ يقدَّرَ، لأنَّ بيانَ الآيات وهي العلاماتُ يظهرُ فيها. وجعل بعضُهم قولَ الحسن من التقديم والتأخير، ثم قال: «ولا حاجة لذلك، لحَمْلِ الكلام على ظاهره، يعني مِنْ تعلق في الدنيا ب» تتفكرون «. وهذا ليس من التقديم والتأخير في شيء، لأنَّ جملةَ الترجِّي جاريةٌ مَجْرى العلةِ فهي متعلقةٌ بالفعل معنى، وتقديمُ أحدِ المعمولاتِ على الآخرِ لا يقال فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، ويُحْتَمل أن تكونَ اعتراضيةً فلا تقديمَ ولا تأخيرَ.
والثالث: ان تتعلَّق بنفسِ» الآيات «لِما فيها من معنى الفعل وهو ظاهرُ قول مكي فيما فهمه عنه ابنُ عطية. قال مكي:» معنى الآيةِ أنه يبيِّن للمؤمنين آياتٍ في الدنيا والآخرةِ يَدُلُّ عليها وعلى منزِلَتِها لعلهم يتفكرون في تلك الآيات «قال ابن عطية:» فقولُه: «في الدنيا» يتعلَّقُ على هذا التأويلِ بالآيات «وما قاله عنه ليس بظاهرٍ، لأنَّ شرحَهُ الآيةُ لا يقتضي تَعَلُّقَ الجار بالآيات. ثم إن عنى ابنُ عطية بالتعلُّق التعلُّق/ الاصطلاحي، فقال الشيخ:» فهو فاسدٌ، لأنَّ «الآيات» لا تعملُ شيئاً البتة، ولا يتعلَّقُ بها ظرفٌ ولا مجرورٌ «وهذا من الشيخ فيه نظرٌ، فإن الظروفَ تتعلَّقُ بروائح الأفعال، ولا شك أن معنى الآياتِ العلاماتُ الظاهرةُ فيتعلَّق بها الظرفُ على هذا. وإن عنى التعلقَ المعنويَّ وهو كونُ الجارِّ من تمام معنى» الآيات «فذلك لا يكون إلا إذا جَعَلْنا الجارَّ حالاً من» الآيات «ولذلك قَدَّرَها مكي نكرةً فقال:» يبيِّن لهم آياتٍ في الدنيا «لِيُعْلِمَ أنها واقعةً موقعَ الصفةِ لآيات، ولا فرقَ في المعنى بين الصفةِ والحالِ فيما نحن بصدده، فعلى هذا تتعلق بمحذوفٍ لوقوعِها صفةً.
الرابع: أن تكونَ حالاً من» الآيات «كما تقدَّم تقريرُه الآن. الخامسُ: أن تكون صلةً للآيات فتتعلَّق بمحذوفٍ أيضاً، وذلك مذهبُ الكوفيين فإنهم يَجْعَلُون من الموصولات الاسمَ المعرَّفَ بأَل وأنشدوا:
946 - لَعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ ... وَأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأصائِلِ
ف» البيت «عندهم موصول، ولتقرير مذهبِهم والردِّ عليه موضعٌ هو أليقُ به.
والتَّفكُّر: تَفَعُّل من الفِكْر، والفِكْر: الذهنُ، فمعنى تفكَّر في كذا: أجال ذهنَه فيه وردَّده.
قوله: {إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} » إصلاحٌ «مبتدأ، وسَوَّغَ الابتداءَ به أحدُ شيئين: إمَّا وصفُه بقوله» لهم «، وإمَّا تخصيصُه بعملِه فيه، و» خيرٌ «خبرُه.
و «إصلاحٌ» مصدرٌ حُذِفَ فاعلُهُ، تقديره: إصلاحُكم له، فالخيريَّةُ للجانبين أعني جانبَ المُصْلِحِ والمُصْلَح له، وهذا أَوْلى من تخصيصِ أحدِ الجانبين بالإصلاح كما فَعَلَ بعضُهم. قال أبو البقاء: «فيجوزُ أن يكونَ التقديرُ:» خيرٌ لكم «، ويجوز أن يكونَ:» خيرٌ لهم «أي إصلاحُهم نافعٌ لكم» .
و «لهم» : إمَّا في محلِّ رفعٍ على أنه صفةً ل «خير» ، أو نصبٍ على أنه متعلق به معمول له كما تقدم. وأجاز أبو البقاء فيه أن يكونَ حالاً من «خير» قُدِّم عليه، وكان أصلُه صفةً فلما قُدِّم انتصَبَ حالاً عنه، واعتذَرَ عن الابتداءِ بالنكرةِ حينئذٍ بأحد وجهينِ: إمَّا لأنَّ النكرةَ في معنى الفعلِ تقديرُه: أَصْلِحُوهم، وإمَّا بأنَّ النكرةَ والمعرفة هنا سواءٌ لأنَّه جنسٌ.
قوله: {فَإِخْوَانُكُمْ} الفاء جوابُ الشرط، و «إخوانُكم» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: فهم إخوانُكم. والجملةُ ي محلِّ جزمٍ على جوابِ الشرط. والجمهورُ على الرفع، وقرأ أبو مُجْلز: «فإخوانَكم» نصباً بفعل مقدر، أي: فقد خالَطْتُم إخوانَكم. والجملةُ الفعلية أيضاً في محلِّ جزمٍ، وكأن هذه القراءة لم يَطَّلِعْ عليها أبو البقاء، فإنه قال: «ويجوزُ النصبُ في الكلام، أي: فقد خالطْتُم إخوانَكم» .
وقوله: {يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} تقدَّم الكلام عليه في قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ} [البقرة: 143] ، والمُفْسِدُ والمُصْلِحُ جنسان هنا، وليس الألف واللام لتعريفِ المعهود، وهذا هو الظاهرُ. وقد يجوز أن تكونَ للعهدِ أيضاً.
وفي قوله: {تُخَالِطُوهُمْ} التفاتٌ من ضميرِ الغيبةِ في قولِهِ: «ويسألونك» إلى الخطابِ لينبِّه السامعَ إلى ما يُلْقَى إليه. ووقََع جوابُ السؤالِ بجملتين: إحداهما من مبتدأٍ وخبرٍ، وأُبْرِزَتْ ثبوتيةً مُنَكَّرَة المبتدإِ لتدلَّ على تناولِهِ كلَّ إصلاح على طريقِ البدليةِ، ولو أُضيفَ لَعَمَّ أو لكانَ معهوداً في إصلاحٍ خاص، وكلاهُما غيرُ مرادٍ، إمَّا العمومُ فلا يُمْكِنُ، وأمَّا المعهودُ فلا يتناولُ غيره؛ فلذلك أُوثر التنكيرُ الدالُّ على عمومِ البدل، وأُخْبِرَ عنه ب «خير» الدالِّ على تحصيل الثواب، ليتبادَرَ المسلمُ إليه. والآخرُ من شرطٍ وجزاءٍ، دالّ على جوازِ الوقوعِ لا على طلبه وندبيَّتِهِ.
قوله: {وَلَوْ شَآءَ الله} مفعولُ «شاءَ» محذوفٌ، أي: إعناتَكم. وجوابُ لو: «لأعنَتَكم» ، وهو الكثيرُ أعني ثبوتَ اللامِ في الفعلِ المُثْبَتِ.
والمشهورُ قطعُ همزةِ «لأعنتكم» لأنها همزةُ قطعٍ. وقرأ البزي عن ابن كثير في المشهور بتخفيفِها بينَ بينَ، وليس من أصلِهِ ذلك، ورُوِيَ سقوطُها البتة، وهي كقراءة: {فلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] شذوذاً وتوجيهاً. ونسبَ بعضُهم هذه القراءة إلى وَهْم الراوي، باعتبارِ أنه اعتقدَ في سماعِهِ التخفيفَ إسقاطاً، لكنَّ الصحيحَ ثبوتُها شاذةً.
والمخالطةُ: الممازَجَةُ. والعَنَتُ: المشقةُ، ومنه «عَقَبَةٌ عَنَوُتٌ» ، أي: شاقةُ المَصْعَدِ.
{"ayah":"فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۗ وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡیَتَـٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحࣱ لَّهُمۡ خَیۡرࣱۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَ ٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











