الباحث القرآني
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ المُنافِقِينَ قالَ الجُلاسُ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ، إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، (p-٤٤٤)وأحْسَنُهم عِنْدِي أثَرًا، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُها لَتَفْضَحَنَّكَ، ولَئِنْ سَكَتُّ عَنْها لَتُهْلِكَنِّي، ولَإحْداهُما أشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى. فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ، ولَقَدْ كَذَبَ عَلى عُمَيْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وقالَ: لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَرَفَعَ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفَ الجُلاسُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، وما قُلْتُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ، فَزَعَمُوا أنَّهُ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمُ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ: إنْ كانَ هَذا صادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَزَيْدٌ: هو واللَّهِ صادِقٌ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَحَدَ القائِلُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ، فَكانَتِ الآيَةُ في تَصْدِيقِ زَيْدٍ» .
(p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقالَ: إنَّهُ سَيَأْتِيكم إنْسانٌ يَنْظُرُ إلَيْكَمْ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ. فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا أنْ طَلَعَ رَجُلٌ أزْرَقُ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَجاءَ بِأصْحابِهِ، فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا، حَتّى تَجاوَزَ عَنْهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا؛ أحَدُهُما مِن جُهَيْنَةَ والآخَرُ مِن غِفارٍ، وكانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفاءَ الأنْصارِ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَنِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلْأوْسِ: انْصُرُوا أخاكُمْ، واللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٤٤٦)عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ. قالَ لَيْلَةً في غَزْوَةِ تَبُوكَ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَسَمِعَهُ غُلامٌ يُقالُ لَهُ: عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ وكانَ رَبِيبَهُ فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ تُبْ إلى اللَّهِ. وجاءَ الغُلامُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ ويَقُولُ: واللَّهِ ما قُلْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ الغُلامُ: بَلى واللَّهِ لَقَدْ قُلْتَهُ، فَتُبْ إلى اللَّهِ، ولَوْلا أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ فَيَجْعَلَنِي مَعَكَ ما قُلْتُهُ. فَجاءَ الوَحْيُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَكَتُوا فَلا يَتَحَرَّكُ أحَدٌ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ، لا يَتَحَرَّكُونَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ، فَرُفِعَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فَقالَ: قَدْ قُلْتُهُ وقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، فَأنا أتُوبُ. فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكانَ لَهُ لَهُ قَتِيلٌ في الإسْلامِ فَوَداهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ دِيَتَهُ فاسْتَغْنى بِذَلِكَ، وكانَ هَمَّ أنْ يَلْحَقَ بِالمُشْرِكِينَ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْغُلامِ: وفَتْ أُذُنُكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُذُنِ عُمَيْرٍ فَقالَ: وعَتْ أُذُنُكَ يا غُلامُ وصَدَّقَكَ رَبُّكَ» . (p-٤٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ. فَكانَ فِيما بَيْنَهُما في ذَلِكَ كَلامٌ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأتاهُ الآخَرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: وعَتْ أُذُنُكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: قالَ أحَدُهم: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: فَواللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَحَقٌّ، ولَأنْتَ شَرٌّ مِن حِمارٍ. فَهَمَّ بِقَتْلِهِ المُنافِقُ، فَذَلِكَ هَمُّهم بِما لَمْ يَنالُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ «فِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَدْفَعُوا النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وكانُوا قَدْ أجْمَعُوا أنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم مَعَهُ في بَعْضِ أسْفارِهِ، فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ غِرَّتَهُ، حَتّى أخَذَ في عَقَبَةٍ فَتَقَدَّمَ بَعْضُهم وتَأخَّرَ بَعْضُهُمْ، وذَلِكَ (p-٤٤٨)لَيْلًا قالُوا: إذا أخَذَ في العَقَبَةِ دَفَعْناهُ عَنْ راحِلَتِهِ في الوادِي. فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وهو يَسُوقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَكانَ قائِدُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وسائِقُهُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ، فالتَفَتْ فَإذا هو بِقَوْمٍ مُتَلَثِّمِينَ فَقالَ: إلَيْكم إلَيْكم يا أعْداءَ اللَّهِ. فَأمْسَكُوا، ومَضى النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَهُ الَّذِي أرادَ، فَلَمّا أصْبَحَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ فَقالَ: أرَدْتُمْ كَذا وكَذا. فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما قالُوا ولا أرادُوا الَّذِي سَألَهم عَنْهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمَّ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: الأسْوَدُ. بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قافِلًا مِن تَبُوكَ إلى المَدِينَةِ، حَتّى إذا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَكَرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِن أصْحابِهِ فَتَآمَرُوا أنْ يَطْرَحُوهُ مِن عَقَبَةٍ في الطَّرِيقِ فَلَمّا بَلَغُوا العَقَبَةَ أرادُوا أنْ يَسْلُكُوها مَعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ خَبَرَهم فَقالَ: مَن شاءَ مِنكم أنْ يَأْخُذَ بَطْنَ الوادِي فَإنَّهُ أوْسَعُ لَكم. وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَقَبَةَ، وأخَذَ النّاسُ بِبَطْنِ الوادِي، إلّا النَّفَرَ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ اسْتَعَدُّوا وتَلَثَّمُوا، وقَدْ هَمُّوا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ (p-٤٤٩)وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ فَمَشَيا مَعَهُ مَشْيًا، فَأمَرَ عَمّارًا أنْ يَأْخُذَ بِزِمامِ النّاقَةِ، وأمَرَ حُذَيْفَةَ يَسُوقُها، فَبَيْنَما هم يَسِيرُونَ إذْ سَمِعُوا وكْزَةَ القَوْمِ مِن ورائِهِمْ قَدْ غَشُوهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأمَرَ حُذَيْفَةَ أنْ يَرُدَّهُمْ، وأبْصَرَ حُذَيْفَةُ غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ ومَعَهُ مِحْجَنٌ، فاسْتَقْبَلَ وُجُوهَ رَواحِلِهِمْ فَضَرَبَها ضَرْبًا بِالمُحَجَّنِ، وأبْصَرَ القَوْمَ وهم مُتَلَثِّمُونَ لا يَشْعُرُ وإنَّما ذَلِكَ فِعْلُ المُسافِرِ فَرَعَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ أبْصَرُوا حُذَيْفَةَ وظَنُّوا أنَّ مَكْرَهم قَدْ ظُهِرَ عَلَيْهِ، فَأسْرَعُوا حَتّى خالَطُوا النّاسَ، وأقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتّى أدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أدْرَكَهُ قالَ: اضْرِبِ الرّاحِلَةَ يا حُذَيْفَةُ وامْشِ أنْتَ يا عَمّارُ. فَأسْرَعُوا حَتّى اسْتَوى بِأعْلاها فَخَرَجُوا مِنَ العَقَبَةِ يَنْتَظِرُونَ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ عَرَفَتْ يا حُذَيْفَةُ مَن هَؤُلاءِ الرَّهْطُ أوْ أحَدًا مِنهُمْ؟ قالَ حُذَيْفَةُ: عَرَفْتُ راحِلَةَ فُلانٍ وفُلانٍ. وقالَ: كانَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وغَشِيتُهم وهم مُتَلَثِّمُونَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما كانَ شَأْنَهم وما أرادُوا؟ قالُوا: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّهم مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي حَتّى إذا طَلَعْتُ في العَقَبَةِ طَرَحُونِي مِنها. قالُوا: أفَلا تَأْمُرُ بِهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ؟ قالَ: أكْرَهُ أنْ يَتَحَدَّثَ النّاسُ ويَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا وضَعَ يَدَهُ في أصْحابِهِ.
(p-٤٥٠)فَسَمّاهم لَهُما وقالَ: اكْتُماهم» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ نَحْوَهُ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ لِحُذَيْفَةَ: «هَلْ عَرَفْتَ مِنَ القَوْمِ أحَدًا؟ فَقالَ: لا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أخْبَرَنِي بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ وسَأُخْبِرُكَ بِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ وجْهِ الصُّبْحِ. فَلَمّا أصْبَحَ سَمّاهم لَهُ؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وسَعْدَ بْنَ أبِي سَرْحٍ، وأبا حاصِرٍ الأعْرابِيَّ، وعامِرًا وأبا عامِرٍ والجُلاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ومُجَمِّعَ ابْنَ جارِيَةَ ومَلِيحًا التَّيْمِيَّ، وحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وطُعْمَةَ (p-٤٥١)بْنَ أُبَيْرِقٍ» وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُيَيْنَةَ ومُرَّةَ بْنَ رَبِيعٍ، فَهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، حارَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأرادُوا قَتْلَهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ وكانَ أبُو عامِرٍ رَأسَهُمْ، ولَهُ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ وهو أبُو حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلائِكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: لَمْ يُخْبِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأسْماءِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تُحِسُّوهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ بِتَبُوكَ غَيْرَ حُذَيْفَةَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ فِيهِمْ قُرَشِيٌّ وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ أوْ مِن حُلَفائِهِمْ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «كُنْتُ آخِذًا بِخِطامِ ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقُودُ بِهِ وعَمّارٌ يَسُوقُهُ، أوْ أنا أسُوقُهُ وعَمّارٌ يَقُودُهُ، حَتّى إذا كُنّا بِالعَقَبَةِ فَإذا أنا بِاثْنَيْ عَشَرَ راكِبًا قَدِ اعْتَرَضُوا فِيها. قالَ: فَأنْبَهْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَصَرَخَ بِهِمْ فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ عَرَفْتُمُ القَوْمَ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، كانُوا مُتَلَثِّمِينَ، ولَكِنّا قَدْ عَرَفْنا (p-٤٥٢)الرِّكابَ. قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ ما أرادُوا؟ قُلْنا: لا، قالَ: أرادُوا أنْ يَزْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العَقَبَةِ فَيُلْقُوهُ مِنها. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَلا تَبْعَثُ إلى عَشائِرِهِمْ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْكَ كُلُّ قَوْمٍ بِرَأْسِ صاحِبِهِمْ؟ قالَ: لا إنِّي أكْرَهُ أنْ تَحَدَّثَ العَرَبُ بَيْنَها أنَّ مُحَمَّدًا قاتَلَ بِقَوْمٍ، حَتّى إذا أظْهَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهم. ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الدُّبَيْلَةُ؟ قالَ: شِهابٌ مِن نارٍ يَقَعُ عَلى نِياطِ قَلْبِ أحَدِهِمْ فَيَهْلِكُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ: هَمُّوا أنْ يُتَوِّجُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بِتاجٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ مَوْلًى لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقَضى النَّبِيُّ ﷺ (p-٤٥٣)بِالدِّيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة»: ٧٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: كانَتْ لَهُ دِيَةٌ قَدْ غُلِبَ عَلَيْها، فَأخْرَجَها لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «كانَ جُلاسٌ يَحْمِلُ حَمالَةً، أوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأدّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة»: ٧٤] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ثُمَّ دَعاهم إلى التَّوْبَةِ فَقالَ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فالقَتْلُ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فالنّارُ.
(p-٤٥٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ قَوْمًا قَدْ هَمُّوا بِهَمٍّ سُوءٍ وأرادُوا أمْرًا، فَلْيَقُومُوا فَلْيَسْتَغْفِرُوا. فَلَمْ يَقُمْ أحَدٌ ثَلاثَ مِرارٍ، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ قُمْ يا فُلانُ، فَقالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ لَأنا دَعَوْتُكم إلى التَّوْبَةِ، واللَّهُ أسْرَعُ إلَيْكَمْ بِها، وأنا أطِيبُ لَكم نَفْسًا بِالِاسْتِغْفارِ، اخْرُجُوا» .
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ . أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عَبّاسٍ: احْفَظْ عَنِّي؛ كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ فَهي لِلْمُشْرِكِينَ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَما أكْثَرَ أنْصارَهم وشُفَعاءَهم.
{"ayah":"یَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدۡ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِسۡلَـٰمِهِمۡ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمۡ یَنَالُوا۟ۚ وَمَا نَقَمُوۤا۟ إِلَّاۤ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن یَتُوبُوا۟ یَكُ خَیۡرࣰا لَّهُمۡۖ وَإِن یَتَوَلَّوۡا۟ یُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِیمࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











