الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، قال الفراء: (ظاهر الآية أنه أمر ونهي، خيره بينهما، وإنما [[في (ى): (وانهما)، وهو خطأ.]] هو على تأويل الجزاء، بمعنى إن تستغفر لهم أو لا تستغفر لهم) [["معاني القرآن" 1/ 441 بمعناه.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: 53] الآية، وقال غيره من أهل المعاني: (معنى صيغة الأمر والنهي في هذه الآية: المبالغة في اليأس من المغفرة بأنه لو طلبها طلب المأمور بها، أو [[في (ح): (و).]] تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في أن الله لا يوقعها [[في (م): (يرفعها).]]) [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال المتأخرون من أهل التفسير: (السبعون عند العرب غاية مستقصاة؛ لأنه جمع سبعة والسبعة تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار [[لم يتبين لي مراده بذلك، والبحار المعروفة أكثر من سبعة.]] والأقاليم [[لم يتين لي المراد بذلك، ولا يمكن أن يقال: إن مراده القارات السبع؛ لأن ثلاثًا منها على الأقل لم تكشف إلا بعد وفاة المؤلف بدهر.]] والنجوم [[يعني النجوم السيارة في المجموعة الشمسية، وقد كان المعروف منها زمن المؤلف سبع. انظر: "تفسير الرازي" 16/ 148. وقد اكتشف فيما بعد غيرها.]] والأعضاء [[لعله يعني الأعضاء السبعة التي يسجد عليها المصلي، وذكر ابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 582 - 583 نحو هذا القول، وفسر الأعضاء بالجوارح التي بها يطيع الإنسان ربه ويعصيه، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفيه نظر لأن الطاعة والمعصية ليست محصورة بهذه الأعضاء فالأنف قد يشم ما حرم الله، والقلب قد يحمل حقدًا وحسدًا واحتقارًا لمسلم، والمرأة قد تعصي ربها بإبداء زينتها ووجهها لأجنبي.]]) [[هذا القول للثعلبي، انظر: "تفسيره" 6/ 134 ب.]]، وذكر في بعض الكتب [[في (ى): (بعض أهل الكتب)، وهو خطأ.]]: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) إنما خص هذا العدد لأنه يروى أن النبي -ﷺ- صلى على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء صلاتك على حمزة) [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 134 ب، ولم يذكر سنده.]]. وقال الأزهري: (العرب تضع التسبيع [[في (ح): (السبع).]] في موضع التضعيف، حكى أبو عمرو أن رجلاً أعطى أعرابيًا درهمًا، فقال [[في (ى): (فقال له)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "تهذيب اللعة".]]: سبع الله له الأجر، قال: أراد التضعيف، وفي نوادر الأعراب: سبع الله لفلان تسبيعًا وتبع له تتبيعًا، أي: تابع له الشيء [بعد الشيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]. قال: والأصل في هذا: قول الله عز وجل: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261]، وقال عليه السلام "الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة" [[رواه البخاري (41، 42)، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء، ومسلم (164)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي في "سننه"، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء 8/ 105، وابن ماجه (1638)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل الصيام، وأحمد في "المسند" 1/ 446.]] فلما ذكر الله تعالى ورسوله هذا العدد في موضع التضعيف صار أصلاً فيه، فقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يرد الله أنه [[ساقط من (ى) و (م).]] إن زاد على السبعين غفر لهم، ولكن المعنى: إن استكثرت من الدعاء بالاستغفار للمنافقين لم يغفر الله لهم [[اهـ. كلام الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617.]]. هذا الذي ذكرنا في هذه الآية مذهب أهل اللغة وأصحاب المعاني [[انظر: "تهذيب اللغة" (سبع) 2/ 1617، و"لسان العرب" (سبع) 3/ 1924.]]، وأما المفسرون فإنهم أجروا الآية على ظاهرها، فقالوا: إن قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير، وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصر بهذا العدد [[نسبة المؤلف هذا القول للمفسرين على وجه العموم فيه نظر، إذ هم فريقان في هذه المسألة، فبعضهم ذهب إليه، وقد ذكر القرطبي بعضهم في "تفسيره" 8/ 220 حيث قال. (وقالت طائفة - منهم الحسن وقتادة وعروة: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت لا تستغفر) اهـ. واعتمد هذا القول السمرقندي في "تفسيره" 2/ 65، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 515، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 580، وابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 990 ولم تذكر كتب الرواية كـ"تفسير ابن جرير" وابن أبي حاتم == و"الدر المنثور" قولاً لأحد المفسرين السابقين بهذا المعنى، وإنما ذكرت عن جمع من مفسري السلف -منهم عروة وقتادة- رواية عن النبي -ﷺ- بالتخيير، فلعل من نسب هذا القول إلى الرواة بناء على أن الراوي لا يخالف روايته، وهذا ليس على إطلاقه. وقد خالف هذا القول كثير من المفسرين، فابن جرير قال في تفسير الآية 10/ 198 هذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعاه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وقال الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134/ ب: (لفظه أمر، ومعاه جزاء، تقديره: إن استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). وقال البغوي في "تفسيره" 4/ 79: (لفظه أمر، ومعاه خبر، تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم .. وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس عن طمع المغفرة). وقال الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 386: (قوله ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد). وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 195، 204، وابن كثير 2/ 414. وعلى أي حال فالقول بأن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ تخيير للنبي -ﷺ- هو الصحيح؛ لقوله -ﷺ-: "إني خيرت فاخترت"، وهذا الحديث نص في هذه المسألة فلا ينبغي العدول عنه.]]، ورووا في هذا عن النبي -ﷺ- ما يوافق هذا المذهب، وهو ما روي أن النبي -ﷺ- لما أراد الصلاة علي عبدالله بن أبي قال له عمر: أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا: كذا وكذا؟! فقال: "إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ " [[رواه البخاري (4670)، كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومسلم (2400)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر، والنسائي، كتاب: الجنائز، [باب] الصلاة على المنافقين 4/ 67، والترمذي (3097)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة 5/ 279، وأحمد في "المسند" 1/ 16.]]. وقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله رخص لي فسأزيدن [[في "تفسير البغوي": (فلأزيدن)، وفي "تفسير الثعلبي": (فسأزيد).]] على السبعين لعل الله أن يغفر لهم" [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 134 ب، والبغوي في "تفسيره" 4/ 79، وهو ضعيف لإرساله، وقال القشيري: لم يثبت أنه قال: "لأزيدن على السبعين". "تفسير القرطبي" 8/ 219.]]، ونحو هذا قال عروة بن الزبير والحسن وقتادة: إن النبي -ﷺ- قال: "لأزيدن علي السبعين" فأنزل الله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6] [[رواه ابن جرير 10/ 198 - 200 عن عروة وقتادة، ورواه عن عروة أيضًا ابن أبي حاتم 6/ 1854، وأشار القرطبي في "تفسيره" 8/ 220 إلى قول الحسن، وأقوالهم هذه مراسيل.]]، قال مقاتل: (فصار قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ منسوخًا بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [["تفسير مقاتل" 133 أبنحوه.]]. فهذا الذي ذكرنا من قولهم يدل على أنهم جعلوا قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ [أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]﴾ تخييرًا، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ حصرًا لهذا العدد لا تكثرًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب