الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، نزلت حين بلغ النبي -ﷺ- أن المنافقين يسيؤون فيه القول ويطعنون فيه، وفي الدين والقرآن، فأنكر ذلك عليهم فحلفوا ما قالوا فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 185، والثعلبي 6/ 127 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 256.]] يعني سبهم الرسول، وطعنهم في الدين، وقال قتادة: (قالوا [[ساقطة من (ي).]]: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8] فسعي بها إلى النبي -ﷺ-، فدعاهم فحلفوا ما قالوا) [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 186، وابن أبي حاتم 6/ 1842 - 1843، والثعلبي 6/ 12 ب.]]، وكان هذا في غزوة تبوك [[قوله: (وكان هذا في غزوة تبوك) ليس من كلام قتادة وفيه نظر؛ لأن القائل: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) عبد الله بن أُبي كما في "صحيح البخاري" (3518)، كتاب: المناقب، باب: ما ينهى عن دعوى الجاهلية، و"صحيح مسلم" (2772)، كتاب: صفات المنافقين، وقد بين الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 6/ 547 أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وكذلك ابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" 3/ 334 - 336 ثم إن أبيا كان ممن تخلف عن غزوة تبوك، كما في المصدر السابق 4/ 407 - 208.]]، وقال السدي: (قالوا: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجًا يباهي به رسول الله -ﷺ-) [[رواه الثعلي في "تفسيره" 6/ 12 ب، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1843 - 1844.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، قال ابن عباس ومجاهد: (هم المنافقون بقتل المؤمن الذي أنكر عليهم طعنهم في الرسول [[ذكره عن ابن عباس -رضي الله عنه- ابن الجوزي 3/ 470، ورواه الثعلبي 6/ 128 أعن الكلبي، كما رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 10/ 187، وابن أبي حاتم 6/ 1854، والثعلبي 6/ 12 ب، والبغوي 4/ 75.]]، قال [[ساقط من (ى): والقائل ابن عباس كما في تفسير الثعلبي وابن الجوزي، ولم يصح عنه لأنه من رواية الكلبي.]]: وهو عامر بن قيس [[هكذا رواه الكلبي عن ابن عباس، وقد روى ابن أبي حاتم 6/ 1843، 70/ أعن ابن عباس، وكعب بن مالك أن المؤمن هو: عمير بن سعد، وكذلك أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن عروة، كما في "الدر المنثور" 4/ 464، وانظر: "السيرة النبوية" 4/ 208، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 2/ 256: == (عامر بن قيس الأنصاري، ابن عم الجلاس بن سويد، ذكره موسى بن عقبة في "المغازي"، وأنه أحد من سمع الجلاس بن سويد يقول: إن كان ما يقول محمد حقًا لنحن شر من الحمر، فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فحلف الجلاس ما قال ذلك، فنزلت ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ الآية، وكذلك ذكره أبو الأسود عن عروة، ونقله الثعلبي عن قتادة والسدي، والقصة مشهورة لعمير بن سعد). وعمير بن سعد هو: عمير بن سعد بن عبيد الأوسي الأنصاري، كان يتيمًا في حجر الجلاس بن سويد، وشهد فتوح الشام، وكان يعجب عمر بن الخطاب، ويسميه نسيج وحده، وولاه حمص، فقام بعمله خير قيام مع الزهد والورع، وتوفي في خلافة عمر وقيل غير ذلك. انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 103، و"الإصابة" 3/ 32.]] الذي سعى بهم، وقال السدي: (هو أنهم لم ينالوا ما هموا به من عقد التاج على رأس عبد الله بن أبي) [[رواه بمعناه الثعلبي 6/ 12 ب.]]، وقال الكلبي: (هموا أن يفتكوا بالنبي ﷺ ليلاً ويغتالوه فأعلمه الله ذلك فأمر من نحاهم عن طريقه وسماهم رجلاً رجلاً، وكانوا خمسة عشر رجلاً) [[رواه الثعلبي 6/ 12 ب، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512.]]، وهذا اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 461.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد [[في"تهذيب اللغة" (عقد) 3/ 2512. العقد: كل ما يعتقده الإنسان من العقار فهو عقدة له. وفي "القاموس المحيط" فصل العين، باب: الدال ص300: العقدة: الولاية على البلد، ج: كصرد، والضيعة والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكًا.]] والأموال من العين [[العين: الدينار والذهب. انظر: "القاموس المحيط" (عين) ص 1218، و"لسان العرب" (عين) 6/ 3198.]] والحيوان) [[ذكره المؤلف فى "الوسيط" 2/ 512]]. وقال الكلبي: (كانوا قبل قدوم النبي -ﷺ-، في ضنك من عيشهم لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله -ﷺ-، استغنوا بالغنائم) [[رواه الثعلبي 6/ 129 أ، والبغوي 4/ 75، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512، وابن الجوزي 3/ 472، والقرطبي 8/ 208.]]، وذكرنا معنى ﴿نَقَمُوا﴾ عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: 59] [[انظر: النسخة (ح) 2/ 40 أوقد قال في هذا الموضع: (قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ يقال: نقمت على الرجل أنقم، ونقمت عليه أنقم، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: 8] ومعنى نقمت: بالغت في كراهة الشيء، فمعنى (تنقمون) أي تكرهون وتنكرون).]]. قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغني أن نقموه فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ [["البرهان" للحوفي 11/ 245 بمعناه.]] ويجوز أن يكون المعنى: إنهم بطروا النعمة [[في (ح): (ذو النعمة).]] بالغني فنقموا بطرُا وأشرًا [[في (ى): (شرًّا).]]، وقال ابن قتيبة: (أي: ليس ينقمون شيئًا ولا يتعرفون من الله إلا الصنع [[في (ح): (لصنيع)، وما في (ى) موافق لما في "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة، والصنع: مصدر قولك: صنع إليه معروفًا وجميلًا. انظر: "اللسان" (صنع).]]، [وهذا كقول الشاعر: ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) والبيت لابن قيس الرقيات.]] وهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: إن الناس لا ينقمون عليهم [[في (ح): (عليه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير غريب القرآن".]] شيئا كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير إن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب [[انظر: "ديوان النابغة الذبياني" ص 44، و"إصلاح المنطق" ص 29، و"خزانة الأدب" 3/ 327.]] أي ليس فيهم عيب) [["تفسير غريب القرآن" ص 198.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾، قال الكلبي: (لما نزلت هذه الآية قام [[في (ى): (قال).]] الجلاس بن سويد [[هو: جلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته، وكان زوج أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فسمعه يقول: لئن كان محمد صادقًا لنحن شر من الحمير، فبلغ عمير رسول الله -ﷺ-، ونزل في الجلاس قرآن، ثم تاب وأحسن لعمير. انظر: "الاستيعاب" 1/ 330، و"الإصابة" 1/ 241.]]، وكان ممن طعن علي النبي -ﷺ-، فقال: أسمع الله قد عرض علي التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه بما قلته فقبل رسول الله -ﷺ- توبته) [[رواه الثعلبي 6/ 128 أ، والبغوي 4/ 74.]]، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: ([يريد كما تولى ابن أبي) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 472، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 512.]]. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، قال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: (لأنهم [[في (م): (لأنه). وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] أمر بقتلهم) [[اهـ. كلام الزجاج، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 462، وعذاب الله في الدنيا أشمل من القتل، ولعل مراد الزجاج أن المنافق إذا أظهر كفره جاز قتله.]] وفي ﴿الْآخِرَةِ﴾: بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، قال عطاء: (يريد لا يتولاهم أحد من الأنصار) [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 512 عن ابن عباس.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب