الباحث القرآني

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ وقرئ: يقبل بالياء [[قرأ حمزة والكسائي وخلف (أن يقبل) بالياء، والباقون بالتاء. انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 165، و"إرشاد المبتدي" 353، و"تحبير التيسير" ص 120.]]، فمن قرأ بالتاء فلأن الفعل مسند إلى مؤنث، ومن قرأ بالياء ذهب إلى أن النفقات [[في (ي): (النفاق)، وهو خطأ.]] بمعنى الإنفاق [[ذكر أبو علي الفارسي في "الحجة" 4/ 196 وجهًا آخر للقراءة بالياء وهو أن التأنيث غير حقيقي.]]، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: 275]. قال الفراء والزجاج وجميع النحويين: موضع (أن) الأولى نصب، والثانية في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفع، والتقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 442، و"معاني القرآن واعرابه" للزجاج 2/ 453، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 25، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي ص 330.]]، قال أهل العلم: وهذه الآية دليل على أن الكافر لا يقبل له عمل ولا يكتب له معروف، فإن أسلم كتب له ما أتاه من طاعة في الشرك [[انظر: "المحرر الوجيز" 6/ 524، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 161، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 2/ 140، و"فتح الباري" 1/ 99، وقد ذكر النووي رحمه الله أقوالاً كثيرة ثم قال: (وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث -يعني: حديث حكيم الذي ذكره المؤلف- على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه == كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها" .. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: بعد ذكره الحديث: "ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه" .. ثم قال النووي: وأما قول الفقهاء لا يصح من الكافر عبادة، يعتد بها، فمرادهم أنه لا يعتد له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذه السنة الصحيحة)، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 2/ 140 - 143، وقال الحافظ ابن حجر: قال المازري: (الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفاً لمن يتقرب إليه والكافر ليس كذلك)، ثم نقل رد النووي هذا القول، ثم قال: والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلاً من الله وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا، وهذا قوي، و"فتح الباري" 1/ 99. قلت: والقول الأخير سالم من الاعتراضات وما قيل في غيره من مخالفة القواعد، وله نظائر في الشريعة ككون الدعاء يرد القضاء، وصلة الرحم تزيد العمر أي أن ذلك معلق بذلك، فإن دعا رد عنه القضاء، وإن وصل رحمه زاد عمره وإلا فلا.]]. قال حكيم بن حزام لرسول [[في (ج): (يا رسول).]] الله ﷺ: إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: "أما أنت فقد أسلمت على ما قدمت من الخير" [[رواه البخاري في (1436)، كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، ومسلم (123)، كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، وأحمد في "المسند" 3/ 402.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ مضى الكلام في (كسالى) في سورة النساء [142]. قال عطاء عن ابن عباس: يريد إن كان في جماعة صلى، وإن كان وحده لم يصل [[ذكره الرازي في "تفسيره" 16/ 90 ونسبه للمفسرين.]]، يريد إن صلى لم يرجُ لها ثوابًا، وإن تركها لم يخف عليها عقابًا، هذا معنى يأتونها [[في (ي): (يأتوها)، والصواب ما أثبته.]] كسالى، فإن قيل: أي صلاة تصح لهم حتى ذُموا بالكسل عنها؟ قيل: إنما ذمّوا بأنهم صلوها [[في (ي): (صلوا).]] على غير الوجه الذي أمروا به من النفاق الذي يبعث على الكسل عنها، دون الإيمان الذي يبعث على النشاط لها [[في (م): (بها).]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، قال المفسرون: وذلك أنهم يعدون الإنفاق مغرمًا ومنعه مغنمًا [[انظر: "تفسير الثعلبي" 6/ 114 ب، والبغوي 4/ 58، وابن الجوزي 3/ 452.]]، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله؛ لأن الله ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق وهذا معنى قوله -ﷺ-: "وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم" [[هذا الحديث جزء من خطبة خطبها النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وقد رواه بلفظ المصنف الإمام أحمد في "المسند" 5/ 262، ورواه بنحوه الترمذي (616)، كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما ذكر في فضل الصلاة، وابن حبان في "صحيحه" (الإحسان)، كتاب: السير، باب: طاعة الأئمة، رقم (4563) 10/ 426، والحاكم في "المستدرك" كتاب: الزكاة 1/ 389، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.]] فإن أداها وهو كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب