الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، قال ابن عباس: (فخلف من بعد هؤلاء الذين قطعناهم خلف من اليهود) [["تنوير المقباس" 2/ 138، وذكره ابن الجوزي 3/ 280.]]. وقال في رواية عطاء: (يريد: نسلًا منهم) [[لم أقف عليه، ورجح الطبري 9/ 105: (أن المراد خلف سوء من اليهود؛ لأنه لا دليل يوجب صحة القول به على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم)، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 98: (قال مجاهد: يعني: النصارى، وقال غيره: يعني: أبناءهم ، وهذا أولى القولين، والله أعلم لأنه يقال لولد الرجل: خلفه) اهـ.]]. يعني: أولاد هؤلاء الذين فرقهم في البلاد. وقوله تعالى: ﴿خَلْفٌ﴾. قال الزجاج: (يقال للقرن الذي يجيء في أثر قرن: خلف، والخلف ما أخلف عليك بدلاً مما أخذ منك، ويقال في هذا: خلف أيضًا) [["معاني الزجاج" 2/ 388، وزاد: (فأما ما أخلف عليك بدلا مما ذهب منك فهو الخلف بفتح اللام) اهـ.]]. وقال الفراء: ﴿خَلْفٌ﴾ أي: قرن بجزم اللام، والخَلَف ما استخلفته، تقول: أعطاك الله خلفا مما ذهب لك [["معاني الفراء" 1/ 399، وزاد: (وأنت خلف سوء سمعت من العرب) اهـ.]]. وقد توافقا في هذا القول، وقال أحمد بن يحيى: (الناس كلهم يقولون: خَلَف صدق وخَلَف سوء، وخَلْف [[أي: بسكون اللام.]] للسوء لا غير، وأبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 232، قال: (خلْف ساكن ثاني الحروف وإن شئت حركت الحرف الثاني وهما في المعنى واحد كما قالوا: أثر وأثر وقوم يجعلونه إذا سكنوا ثاني حروفه إذا كانوا مشركين وإذا حركوه جعلوه خلفًا صالحًا) اهـ.]] معهم، ثم [[لفظ: (ثم) ساقط من (ب).]] انفرد وحده فقال: ويقال للصدق أيضًا: خَلْف) [["تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]]. قال الأزهري: (وأخبرني المنذري بإسناده عن الفراء قال: الخَلْف يذهب به إلى الذم، والخَلَف خلف صالح، وقد يكون في الرديء خَلْف وفي الصالح خَلْف لأنهم يذهبون به [[لفظ: (ب) ساقط من النسخ.]] إلى القرن، قال: فأرى الفراء قد أجاز في الصالح خَلْف كما أجازه أبو عبيدة) [["تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]]، وعلى هذا ينشد لحسان: لنا القدم الأولى عليهم وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع [["ديوانه" ص 48، و"سيرة ابن هشام" 3/ 308، و"تفسير الطبري" 9/ 104، والثعلبي 6/ 16 أ، وابن عطية 6/ 127، والقرطبي 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1239 (خلف)، والخازن 2/ 305، و"البحر" 4/ 415، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي "الديوان": (لنا القدم الأولى إليك وخلفنا)، بسكون اللام.]] وقال ابن السكيت: (يقال: هذا خلف صدق، وهذا خلف سوء، وهؤلاء خلف سوء، جمعه وواحده [[في (ب): (وواحد سواء)، وهو تحريف.]] سواء، وأنشد [[الشاهد للبيد في "ديوانه" ص 36، و"العين" 4/ 266، و"الكامل" للمبرد 4/ 33، == و"جمهرة أشعار العرب" ص 69، و"تفسير الطبري" 9/ 105، و"الجمهرة" 1/ 615، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"الصحاح" 4/ 1354 (خلف)، و"ديوان المعاني" 2/ 198، و"تفسير الثعلبي" 6/ 16 أ، وخلف بسكون اللام وصدره: ذهب الذين يعاشُ في أكنافهم]]: وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجرب) [["إصلاح المنطق" ص 13 و 66، و"تهذيب اللغة" 1/ 1086 (خلف).]] وقال أصحاب العربية [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 104، و"أمالي القالي" 1/ 158.]]: (الخلفُ المستعمل في الذم مأخوذ من الخَلَف، وهو الفساد، يقال للرديء من القول: خلف، ومنه المثل: نطق خلفًا [[هذا من أمثال العرب المشهورة يضرب للرجل يطيل الصمت ثم يتكلم بالخطأ يقال: سَكَتَ ألفا ونطق خلفاً، أي: سكت عن ألف كلمة ونطق بواحدة رديئة، انظر: "إصلاح المنطق" ص 66، و"أمالي القالي" 1/ 158، و"جمهرة الأمثال" 1/ 509، و"مجمع الأمثال" 1/ 330، و"المستقصى" 2/ 119.]]، وخَلَف النبيذ يخلف خُلُوفًا وخلفًا إذا فسد، وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته). وقال النضر: (الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، فأما في القرن الصالح فتحريك اللام لا غير، وأنشد [[لم أقف على قائله، وهو في كتب "الفرق": لقطرب ص 68، وللأصمعي ص 78 و79، ولأبي حاتم السجستاني ص 36، ولثابت بن أبي ثابت ص 44، و"الكامل" للمبرد 3/ 372 - 373، و"الجمهرة" 1/ 607، و"تهذيب اللغة" 1/ 1050 ، و"الصحاح" 4/ 1352، و"تفسير القرطبي" 7/ 311، و"اللسان" 2/ 1238 ، و"تاج العروس" 12/ 174 (خضف)، وعجزه: عبدًا إذا ما ناء بالحمل خضف]]: إنا وجدنا خلفًا [[في (ب): (خلفنا) وكذا في "الدر المصون" 5/ 305، وفي غيره (خلفًا).]] بئس الخلف) [["تفسير الثعلبي" 6/ 16 أو"البحر" 4/ 416، و"الدر المصون" 5/ 503، وفي == "تهذيب اللغة" 1/ 1092: (قال النضر بن شميل: الخلف يكون في الخير والشر وكذلك خلف) اهـ.]] فجمع اللغتين في المذموم، وأكثر أهل اللغة [[انظر: "العين" 4/ 265، و"الجمهرة" 1/ 615، و"الصحاح" 4/ 1354، و"المجمل" 2/ 300، و"مقاييس اللغة" 2/ 210، و"المفردات" ص 293، و"اللسان" 2/ 1241، (خلف)، وقال السمين في "الدر" 5/ 503: (هذا قول جماعة أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيدة) اهـ. بتصرف.]] على هذا إلا الفراء وأبا عبيدة فإنهما أجازا في الصالح جزم اللام [[والحاصل أن خلف بفتح اللام وإسكانها، قيل: بمعنى واحد وقيل: الساكن في الطالح، والمفتوح في الصالح، وأكثرهم على جواز الفتح والسكون في الرديء، وأما الصالح فبالفتح فقط، قال المبرد في "الكامل" 4/ 33: (قلما يستعمل خلف بالسكون إلا في الشر) اهـ. وقال الماوردي 2/ 274: (هو بالتسكين في الذم، وبالفتح في الحمد وهذا أظهر وفي قول الشعراء أشهر) اهـ. وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 313، و "تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"نزهة القلوب" ص 219، و"تفسير المشكل" ص 88، و"زاد المسير" 3/ 280، و"البحر" 4/ 415.]]. وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال أبو عبيد: (جميع متاع الدنيا عَرَض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر، وأما العَرْض بسكون الراء، فما خالف العين [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2395: (فما خالف الثمنين: الدنانير والدراهم من متاع الدنيا وأثاثها) اهـ.]]، الدراهم والدنانير التي هي الثمنات، وجمعه عُروض، وكأن العَرْض من العَرَضِ وليس كل عَرَض عَرْضًا) [["تهذيب اللغة" 3/ 2395 وفيه: (فكل عَرْض داخل في العَرَضَ، وليس كل عَرَض عَرْضًا) اهـ. وانظر: "العين" 1/ 271، و"مجاز القرآن" 1/ 232، و"معاني الأخفش" 2/ 313 - 314، و"الجمهرة" 2/ 747، و"الصحاح" 3/ 1082، و"المجمل" 2/ 659، و"مقاييس اللغة" 4/ 269، و"المفردات" ص 559 ، و"اللسان" 5/ 2877 (عرض).]]. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 138، وفي "زاد المسير" 3/ 281، عن ابن عباس قال: (يأخذون ما أحبوا من حلال أو حرام) اهـ. انظر: "الدر المنثور" 3/ 255 - 256.]]: (يأخذون الطمع إذا عرض لهم حلالًا أو حرامًا من الرشى [[الرُّشَي: جمع رشوة، انظر: "اللسان" 3/ 1653 (رشا)، وقال الماوردي 2/ 275، في معنى الآية: (يعني: الرشوة على الحكم في قول الجميع) اهـ.]] وغيرها). وقال عطاء عنه: (يريد: ما أشرف لهم من الدنيا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 106، بسند ضعيف، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 262، وأخرج ابن أبي حاتم 5/ 1608 بسند جيد عن عطاء نحوه.]]، و ﴿الْأَدْنَى﴾ تذكير (الدنيا) وأراد عرض هذه الدار الدنيا، فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت [[هذا قول الثعلبي 6/ 17 أ، والأدنى: الأقرب، والدنو غير مهموز مصدر دنا يدنو إذا قرب. انظر: "العين" 8/ 75، و"تهذيب اللغة" 2/ 1233، و"الصحاح" 6/ 2341 ، و"المجمل" 2/ 336، و"مقاييس اللغة" 2/ 303، و"المفردات" ص 318، و"اللسان" 3/ 1436 (دنا).]]، وفي ﴿الْأَدْنَى﴾ قول آخر [[لفظ: (آخر) ساقط من: (أ).]] لمجاهد نذكره بعيد. قال المفسرون: (ذم الله تعالى بهذه الآية اليهود ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ فقرؤوه، وعلموه، وضيعوا [[في (ب): (وضيعوه العمل وخالفوا)، وهو تحريف.]] العمل به، وخالفوا حكمه، يرتشون في حكم الله وتبديل كتابه وتغيير صفة رسوله) [[هذا قول الثعلبي 6/ 16 ب، عن المفسرين، وانظر البغوي 3/ 296، والقرطبي 7/ 311.]]. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 138.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني الزجاج" 2/ 388، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، والثعلبي 6/ 16 ب.]]: (كانوا يتمنون على الله المغفرة، يقولون: ما عملنا بالليل كفر عنا [بالنهار، وما عملنا بالنهار كفر عنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] بالليل) و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، قال ابن عباس: (إذا أصابوا عرضًا مثل رشوتهم تلك التي أصابوا بالأمس قبلوه) [["تنوير المقباس" 2/ 138، وهو قول الطبري 9/ 106، والسمرقندي 1/ 578.]]. وقال مجاهد: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾، ما أشرت لهم اليوم شيء من الدنيا حلال أو حرام أخذوه وتمنوا على الله المغفرة، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه) [["تفسير مجاهد" 1/ 249، وأخرجه الطبري 9/ 107، وابن أبي حاتم 5/ 1607 من طرق جيدة.]]، فالأدنى على هذا عبارة عن اليوم الأدنى، وهو اليوم الذي هم فيه. ونحو هذا قال قتادة [[أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 240، بسند جيد.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 106، من طرق جيدة عن قتادة والسدي.]] وقالوا: (هذا إخبار عن إصرارهم على الذنوب). وقال الحسن: (هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم لا يشبعهم شيء) [[ذكره والماوردي 2/ 275، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (وكّد الله في التوراة ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، فقالوا الباطن). قال ابن عباس: (يعني: قولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فذلك قولهم على الله غير الحق) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 263، وابن الجوزي 3/ 281.]]. وقال ابن جريج: (أي: فيما يرجون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها ولا يتوبون منها، فذلك قولهم على الله غير الحق) [[أخرجه الطبري 9/ 106 بسند جيد عن ابن جريج عن ابن عباس، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي إمام، لم يسمع من ابن عباس، انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 334، و"تهذيب التهذيب" 2/ 601.]]. وقال الزجاج: (قوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ﴾ يدل على إصرارهم على الذنب، والله عز وجل وعد بالمغفرة في العظائم التي توجب النار مع التوبة، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 578.]]. وبيان هذا ما قاله بعض المفسرين قال: (ليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار) [[ذكره البغوي 3/ 296، وابن الجوزي 3/ 281، والرازي 15/ 44.]]، وقوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ أي: فهم ذاكرون لما [[في (ب): (ذاكرون ما أخذ عليهم).]] أخذ عليهم لأنهم قد قرؤوه [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 388، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 107، و"معاني النحاس" 3/ 100، والسمرقندي 1/ 579.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب