الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، قال أهل المعاني: (سلهم سؤال توبيخ على ما كان منهم في أمر القرية من فاحش الخطيئة [[في (ب): (الخطايا).]] وشنيع السيئة، والسؤال قد يكون للتقرير والتوبيخ، كما تقول لمن تلومه على جفائه: هل شتمتك؟ هل ضربتك؟ وأنت تعلم أنك لم تفعل، وإنما تسأله لتُقرره وتوبخه. ومعنى سؤال النبي ﷺ أهل الكتاب عن هذه القرية، وقد أخبره الله بقصتها، تقريرهم بقديم كفرهم، وسلوكهم مسلك أسلافهم في المخالفة وارتكاب المعصية وأن يعلمهم ما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي)، وهذا معنى قول المبرد [[انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" للمبرد ص 42.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 384.]] وغيرهما [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 183 - 184، و"تأويل مشكل القرآن" ص 179، و"معاني النحاس" 3/ 92.]]، وتلك القرية هي أيلة [[أيلة، بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم -البحر الأحمر- مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطئ بحر القلزم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 292.]] في رواية عكرمة والوالبي عن ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 90 - 91 من عدة طرق جيدة عن عكرمة وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322، عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) اهـ. ووافقه الذهبي في "التلخيص".]]، وقال في رواية [[لم أقف عليه عن ابن عباس.]] عطاء: (هي الطَبريَة) [[طبرية: مدينة في الأم من أعمال الأردن مطلة على بحيرة طبرية المشهورة، انظر: "معجم البلدان" 4/ 17.]]. وهو قول الزهري [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1597، والنحاس في "معانيه" 3/ 93، بسند جيد، وذكره الثعلبي 6/ 12/ ب، والماوردي 2/ 271، والمشهور أنها أيلة وهو قول الأكثر، فقد أخرجه الطبري 9/ 90 - 91، من طرق عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير والسدي وقتادة، وقال ابن أبي حاتم 5/ 1597: (وروى عن سعيد بن جبير والضحاك) اهـ، وزاد والماوردي 2/ 271 نسبته إلى عكرمة، وزاد ابن الجوزي 3/ 276 نسبته إلى ابن مسعود والحسن، وحكاه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 233، عن الليث، وحكاه هود الهواري 2/ 53 عن الكلبي، وقال الرازي 15/ 36: (الأكثرون على أن تلك القرية أيلة) اهـ، وهو اختيار ابن كثير 2/ 286، ورجح الطبري 9/ 91: أنها مدينة حاضرة البحر دون تحديد، لعدم الدليل القاطع، وهذا هو الظاهر لوجود الخلاف في تحديدها ، ولأنه لا يترتب على تحديدها كبير فائدة.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الحضور نقيض الغيبة، أي: التي هي مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91.]]، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]. والحضرة [[هذا قول الليث في "تهذيب اللغة" 1/ 847، وانظر: "العين" 3/ 101، و"الجمهرة" 1/ 515، و"الصحاح" 2/ 632، و"مقاييس اللغة" 2/ 75، == و"المجمل" 1240، و"المفردات" ص 241، و"اللسان" 2/ 906 (حضر).]] قرب الشيء، تقول: كنت بحضرة الدار. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يصيدون الحيتان ويفعلون ما نهوا عنه) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، وأخرج الطبري 9/ 92، ابن أبي حاتم 5/ 1598 والحاكم في "المستدرك" وصححه 2/ 322 - 323 من عدة طرق جيدة نحوه. وهو قول أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 151، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"معاني الزجاج" 2/ 184، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87]]. والمعنى: إذ يظلمون في السبت، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [[لفظ: (منكم) ساقط من (أ).]] [البقرة: 65]، وقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [[انظر: "البسيط" نسخة جستربتي 2/ 33 ب.]] [النساء: 154]. وموضع ﴿إِذْ﴾ نَصْب؛ لأن المعنى: سلهم إذ عدوا [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304.]]، وحقيقة السؤال وقع عن الاعتداء لا عن القرية؛ لأن التوبيخ [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 645]] يقع به، وإنما ذكرت القرية لأنهم بها اعتدوا. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾. موضع ﴿إِذْ﴾ نصب أيضاً بـ"يعدون"، المعنى: سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 384، وانظر: "البيان" 1/ 376، و"التبيان" 1/ 393، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 492.]]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. أي: ظاهرة على الماء، قاله الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 384، وهو قول أهل اللغة والتفسير. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 230، و"تفسير غريب القرآن" ص 182، و"تفسير الطبري" 9/ 92، و"نزهة القلوب" ص 290، و"معاني النحاس" 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، و"تفسير المشكل" ص 87.]] وشرَّع جمع: شارع وشارعة. قال شمر: (وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة دنت من الطريق، ونجوم شوارع دنت من المغيب) [["تهذيب اللغة" 2/ 1859، وانظر: "العين" 1/ 252، و"الجمهرة" 2/ 727، و"الصحاح" 3/ 1236، و"المجمل" 2/ 526، و"مقاييس اللغة" 3/ 262، و"المفردات" ص 450، و"اللسان" 4/ 2239 (شرع).]]، وعلى هذا الحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يُمكنهم صيدها. قال ابن عباس [[أخرجه الطبري 9/ 91، وابن أبي حاتم 5/ 1598، والحاكم في "المستدرك" 2/ 322 - 323، وصححه من عدة طرق جيدة عن ابن عباس نحوه.]] ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 248، وذكره الرازي 15/ 37، عن ابن عباس ومجاهد.]] والمفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 91، وأخرجه 13/ 190 - 198، من طرق عن عبد الله بن مسعود والحسن وقتادة، وابن زيد، وأبي صالح ماهان الحنفي، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 384، النحاس 3/ 93، و"تفسير السمرقندي" 1/ 577، والثعلبي 6/ 13 أ، والماوردي 2/ 272، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، و"الخازن" 2/ 302، عن المفسرين.]]: (إن اليهود أُمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به، وحُرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا [[كذا في النسخ: (لم يؤجروا) وكذلك عند الثعلبي 6/ 13/ أ، والأقرب أنه: (إن أطاعوا أجروا).]] وإن عصَوا عُذّبوا، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر إلى السبت المقبل، بلاء ابتلوا به، فذلك معنى قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾). يقال: سبتت اليهود، أي: قامت بأمر سبتها. قال الفراء: (ومعنى ﴿يَسْبِتُونَ﴾ يفعلون سبتهم، ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾) [["معاني الفراء" 1/ 398، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 92، و"إعراب النحاس" 1/ 645، و"المشكل" 1/ 304، و"التبيان" 1/ 394، و"الفريد" 2/ 375، و"الدر المصون" 5/ 493.]]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾، في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ وجهان ذكرهما الزجاج وابن الأنباري، أحدهما: قال الزجاج: (أي: مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم، وموضع [[في (أ): (فموضع).]] الكاف نصب بنبلوهم) [["معاني الزجاج" 2/ 385، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 645.]]. وقال أبو بكر: (ذلك) إشارة إلى ما بعده يراد به: ﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر الحيتان وينقطع الكلام عند قوله: ﴿لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 667، و"القطع" للنحاس 1/ 264، و"المكتفى" للداني ص 277.]]. الوجه الثاني: قال الزجاج: (ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾. أي: لا تأتيهم شرعًا، ويكون ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ مستأنفًا) [[في (ي): (وهم لا يسبتون)، وهو تحريف.]]. وقال أبو بكر: (وعلى هذا الوجه ﴿كَذَلِكَ﴾ راجعة على الشروع في قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. والتقدير: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾ [["معاني الزجاج" 2/ 385، وزاد: (وذلك القول الأول قول الناس وهو الجيد) اهـ.]] الإتيان بالشروع، وموضع الكاف على هذا الوجه نصب بالإتيان على الحال، أي: لا تأتي مثل ذلك الإتيان) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 257، والسمين في "الدر" 5/ 493 - 494، وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 375: (الكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وفيه تقديران: أحدهما: نبلوهم بلاءً مثل ذلك البلاء الشديد ويوقف على ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، وهو الوجه وعليه الجمهور، والثاني: لا تأتيهم إتيانًا مثل ذلك الإتيان الذي يأتي يوم السبت ويوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: بعصيانهم رب العالمين خُذلوا) [["تنوير المقباس" 2/ 136.]]. وقال الزجاج: (أي: شددت عليهم المحنة بفسقهم) [["معاني الزجاج" 2/ 385.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب