الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، قد ذكرنا [[انظر: "البسيط" البقرة: 51.]] في مواضع أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف على تقدير: اتخذوا العجل إلهًا [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379 ، والنحاس 3/ 84.]] ومعبودًا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: 88]، وللمفسرين، وأهل المعاني، في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل: الذين باشروا عبادة العجل. وقوله تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: في الدنيا) [[لم أقف عليه.]]، يعني: أولئك تيب [[في (ب): (تبت).]] عليهم بقتلهم أنفسهم فلا يلحقهم الغضب في الآخرة، وتفسير هذا الغضب في الدنيا قاله أبو العالية؛ قال: (هو ما أمروا به من قتلهم أنفسهم) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285.]]. وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال الزجاج: (الذلة لحقتهم بأنهم رأوا أنهم قد ضلوا فذلوا) [["معاني الزجاج" 2/ 379، وفيه: (والذلة ما أمروا به من قتل أنفسهم).]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ -وقد نالهم الغضب و [الذلة] [[لفظ: (الذلة) ساقط من (أ).]]، وهذه السين للاستقبال- هو أن هذه الآية إخبار [[في (ب): (هو أن هذه الأخبار) وهو تحريف.]] عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، أخبره أيضًا أن أولئك سينالهم غضب وذلة، ويُحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قيل: وقلنا لموسى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، والقول كثيراً ما يُضمر في الكلام. الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وهذا مذهب ابن عباس وعطية العوفي، قال ابن عباس: (هم الذين أدركوا النبي وآباؤهم الذين عبدوا العجل) [[ذكره الخازن 2/ 292.]]. وقال في قوله [[في (ب): (في قولهم) وهو تحريف.]]: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾: (عذاب في الآخرة)، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال: (وهي الجزية) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 265، الخازن 2/ 292.]]. وقال العوفي: (أراد سينال أولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ غضب وذلة)، قال: (وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء) [[ذكره الثعلبي 198 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 248، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 266، الخازن 2/ 292.]]. وعلى هذا الطريق تحمل الآية على وجهين: أحدهما: أن العرب تُعيّر الأبناء بمعاير الآباء وتنسبها إليهم، كما تفعل ذلك في المناقب، وهو كثير في أشعارهم يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آباءهم، كذلك هاهنا الله تعالى وصف [هؤلاء] [[لفظ: (هؤلاء) سقط من (ب).]] اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ باتخاذ العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك تعييرًا لهم كعادة [[في (ب): (لعادة).]] العرب. الوجه الثاني: أن الآية من باب حذف المضاف على ما ذكره عطية العوفي، والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الذين باشروا ذلك ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ [[لفظ: (سينالهم) سقط من (أ).]] أي: سينال أولادهم ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه [[والقول الأول أظهر وهو أن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا لا لمن بعدهم == من ذراريهم، وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69 - 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"تفسير ابن عطية" 6/ 90، والقرطبي 7/ 291 - 292، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 84: (وهذا القول أصح لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريتهم) اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كذلك أعاقب من اتخذ إلهًا من دوني أو تولى غيري) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248، وابن الجوزي 3/ 266.]]. وقال أهل المعاني: (كل مفترٍ في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، يؤكد هذا ما روي عن مالك بن أنس [[مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني من تابعي التابعين، إمام حافظ ثقة، ثبت فقيه محدث، إمام دار الهجرة واحد أئمة المذاهب المتبوعة، أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير توفي -رحمه الله- سنة 179 هـ، وله 86 سنة انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 75، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 48، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 207، و"تهذيب التهذيب" 4/ 8]] [رحمه الله] [[لفظ: (رحمه الله) ساقط من (ب).]] أنه قال: (ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية) [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" ص 198، وذكره ابن الجوزي 3/ 266، والرازي 15/ 13، والقرطبي 7/ 292، والخازن 2/ 293، وأخرج الطبري 9/ 70، وابن أبي حاتم 5/ 1571، من عدة طرق جيدة عن أبي قلابة وسفيان بن عيينة نحوه.]]، والمبتدع مفتر في دين الله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾، قال ابن عباس [[لفظ: (﴿ثُمَّ تَابُوا﴾) ساقط من (أ).]]: (يريد: الشرك، مثل قوله في النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18]، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248.]] أي: رجعوا عنها وتركوها، قال ابن عباس: (يعني: قبل حلول العذاب وقبل الموت). وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾، قال: (يريد: صدّقوا أنه لا إله غيري ولا شريك معي) [[لم أقف عليه.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب