الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ الآية. قال الزجاج: (ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذب بها؛ لأنه لم يكن مهلك القرى بظلم) [["معاني الزجاج" 2/ 293.]]، فعلى هذا الإشارة وقعت إلى العقاب الذي في قوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: 128] وإلى إتيان الرسل في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:130] وموضع ﴿ذَلِكَ﴾ رفع الابتداء على معنى: ذلك الأمر، أي: العقوبة بعد تكذيب الرسل، ويجوز أن يكون موضع (ذلك) نصبًا على معنى: فعل ذلك، وهذا معنى قول الفراء [["معاني الفراء" 2/ 355، ومثله ذكر الطبري في "تفسيره" 8/ 37.]] وسيبويه [[لم أقف عليه في الكتاب، وقد ذكر الزجاج في "معانيه" 2/ 293، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 580: (عن سيبويه أنه في موضع رفع بمعنى: الأمر ذلك؛ لأن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم)، ولم أجد من ذكر عنه وجه النصب.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 292 - 293.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ (أن) هاهنا هي المخففة من الثقيلة ويقدر معها الخافض وإضمار الهاء على تقدير: لأنه لم يكن، وهي التي في قول الأعشى: في فِتْيِةٍ كَسْيوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَينْتَعِلُ [["ديوان الأعشى" ص 284، و"الكتاب" 2/ 137، 3/ 74 - 164 - 454، و"المحتسب" 1/ 308، و"المنصف" 3/ 129، و"أمالي" ابن الشجري 2/ 177 - 178، و"الإنصاف" 167، وبدون نسبة في "المقتضب" 3/ 9، و"تفسير الطبري" 8/ 185، و"الخصائص" 2/ 441، و"رصف المباني" ص 196. والشاهد إضمار اسم أن المخففة والتقدير: أنه هالك، وعجز البيت في الديوان: أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَةِ الحِيلُ]] وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. قال الكلبي: (يقول: لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم رسلهم فينهاهم فإن رجعوا وإلا أتاهم العذاب) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 121، والبغوي في "تفسيره" 3/ 190، و"الخازن" 2/ 185.]]. وقال الزجاج: (أي: لا يهلكهم حتى يبعث إليهم الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] [["معاني الزجاج" 2/ 293.]]، وهذا قول جميع المفسرين [[انظر: الطبري 8/ 37، والسمرقندي 1/ 514، والماوردي 2/ 172، و"بدائع التفسير" 2/ 183 - 184.]] والظلم على هذا ظلمهم الذي هو ذنوبهم ومعاصيهم. وقال الفراء: (يجوز أن يكون المعنى: لم يكن ليهلكهم [بظلم منه وهم غافلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش) وملحق بالهامش.]]] وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:117] أي بظلم منه) [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 355، وفيه قال: (وقوله: ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم وهم غافلون لما يأتيهم رسول ولا == حجة، وقوله في هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يقول: لم يكن ليهلكهم بظلمهم يقول: بشركهم ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ يتعاطون الحق فيما بينهم، هكذا جاء التفسير، وفيها وجه وهو أحب من ذا؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والمعنى -والله أعلم-: لم يكن ليهلكهم بظلم منه وهم مصلحون). اهـ.]]. وعلى هذا يوهم [[في (ش): (توهم).]] أنه لو أهلكهم وهم غافلون قبل بعث الرسل كان ظالمًا، وكذلك لو أهلكهم وهم صالحون، وليس كذلك؛ لأن له أن يفعل ما يريد، لكنه أخبر أنه لا يعذب قبل بعثه الرسل، ولا يهلك الصالحين، ولو فعل ذلك لم يكن ظلمًا ، ولكنه يكون في صورة الظلم فيما بيننا، فأطلق عليه الظلم مجازًا لا حقيقة، والقول في معنى الآية هو الأول [[انظر: "تفسير الرازي" 13/ 196 - 197.]] وقد بيّنا القولين في سورة هود عند قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب