الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ الآية. قال ابن عباس: "إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله ﷺ فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: "أؤمن باللهِ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شرًّا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية وما بعدها" [[أخرجه الطبري 6/ 292 بنحوه، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ كما في "الدر المنثور" 2/ 522. وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 203.]]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ يقال: نَقَمتُ على الرجل أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: 8]. ومعنى نقَمت: بالغت في كراهة الشيء [[هذا الكلام من أوله للزجاج في: "معاني القرآن" 2/ 186، ونقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3654 (نقم).]]، فمعنى (تنقمون) أي: تكرهون وتنكرون. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59]، فقال كيف ينقم اليهود على المسلمين فسق أكثرهم. قال أبو إسحاق: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 186، 187، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 387.]]. وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا ذلك [[انظر: "زاد المسير" 2/ 387.]]. قال صاحب النظم [[أبو علي الجرجاني تقدمت ترجمته.]]: فعلى هذا يجب أن يكون موضع "أنّ" في قوله: (وأن أكثركم) نصباً بإضمار اللام، على تأويل: ولأن أكثركم فاسقون، أي: تنقمون منا ذلك لأن أكثركم فاسقون. والواو زائدة [[في (ج): (والوا زائدة).]] كما زيدت في غيرها من المواضع [[تقدم أن بعض المحققين كالحافظ ابن كثير رحمه الله نبهوا على خطأ مثل هذا التعبير، فلا ينبغي أن يقال: إن في القرآن زائدًا.]]. وقال غيره: إنما نقموا على المسلمين فسقهم؛ لأنهم لم يتابعوهم عليه. وقال بعضهم: لما ذكر ما نقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل، وليس هو مما يُنقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما يُنقم، ومثل هذا حسن في الازدواج، يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وإلا أني غني وأنت فقير، فحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة. ومعنى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن أمر الله طلباً للرئاسة وحسداً على منزلة النبوة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.]]. والمراد بالأكثر: من لم يؤمن منهم؛ لأن قليلاً من أهل الكتاب آمن. وذكر أبو علي الجرجاني قولاً آخر في قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قال: تجعله منظوماً بقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ على تأويل: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، فيكون موضع (أن) خفضاً بالياء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب