الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التِيه أجمعون، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون ولا أحد منهم، إلا الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة [[أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 183 لكن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 130، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 44. وهذا قول، وسيأتي أن الراجح أن موسى عليه السلام: هو الذي فتح مدينة الجبارين.]]. قال الكلبي: قيل لموسى: أما إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم، فكانوا في التيه أربعين سنة في ستة فراسخ، وقُبِضَ هارون وموسى في التِّيه [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.]]. وقال الحسن: لم يمت موسى في التِّيه [[لم أقف عليه.]]. واختلفوا: أيضًا هل دخل مدينة الجبارين أم لا؟، فقال قوم: كان الفتح على يديه. وقال قوم إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى [[رجح الطبري في "تفسيره" وغيره القول الأول وأن موسى عليه السلام هو الذي فتح مدينة الجبارين. انظر: "جامع البيان" 6/ 182، والبغوي في "تفسيره" 3/ 38، و"زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 131.]]. فإن قيل: كيف قال: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ قيل: قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ المراد به من دخلها من أولادهم وذراريهم، فأما من مات في التيه ولم يدخلها فإنها لم تكتب لهم. والمراد: بهذا التحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، كما تقول: حرام عليك دخول داري، أي أني أمنعك ذلك فلا تدخل، ليس أنه يحرم عليه بالشرع. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. قال الفراء: هي منصوبة بالتحريم، ولو نصبتها بـ (يتيهون) كان صوابًا [["معاني القرآن" 1/ 305، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 184، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 223.]]. قال الزجاج: أما نصبه بـ (محرمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها حرمة عليهم أبدًا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 233. وقد فصل مكي في "الإعراب" بما فيه جمع بين القولين.]]، كذلك قال ابن عباس في رواية عطاء وسائر المفسرين [[لم أجده عن ابن عباس، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة 6/ 184. ونحوه عن غيره. انظر: "جامع البيان" 6/ 181 - 182.]]. وقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقال: تاه يتيه تَوْهًا وتِيها، والتِّيه أعمهما، ويقال: توهّتُه، وتيّهتُه، والواو أعم، والتَّيهاء: الأرض التي لا يُهتدى فيها، يقال: أرض تِيهٌ وتيهًا ومتيهة، يتيه فيها الإنسان [["تهذيب اللغة" 1/ 423 (تيه)، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 129.]]. قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 185 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 462.]]. قال الزجاج: عذبهم الله عز وجل بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة، لا يقرّ بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار. فإن قيل: التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون، فكيف عذب موسى وهارون بالتيه؟ قيل: إن الله عز وجل سهّل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها بردًا وسلامًا وشأنها الإحراق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، 166 بتصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني [["تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 186 بلفظ: لا تحزن لا غير.]]. وقال مقاتل: إنهم قالوا لموسى: ما صنعت بنا؟ وندم موسى على ما دعا عليهم، فأوحى الله إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [[بنحوه في "تفسيره" 1/ 467، 468.]]. يقال: أسي يأسى أسًى، أي: حزن [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 185.]]. وقال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد ﷺ أي لا تحزن على قومٍ لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 166، وانظر: "زاد المسير" 2/ 231.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب