الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: إن الرجل الواحد من هؤلاء الجبارين يدخل المائة منا في كُمِّه، ورأينا حصونًا ممتنعة وجبابرة، فلا يدان لنا بهم، فجَبُن القوم وخافوا ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا: إنا لسنا نقبل مشورةً في دخولها ولا أمرًا وفيها هؤلاء الجبارون، ولما أمرهم يوشع وكالب بدخول القرية عصوهما وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى نكذب عشرة ونصدق اثنين [[أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 179 - 180، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والبغوي في "تفسيره" 3/ 37. وقد سبق قريبًا كلام ابن كثير في "تفسيره" على مثل هذا الخبر.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾. قال أبو إسحاق: كلام العرب: اذهب أنت وزيد، ويستقبح النحويون: اذهب وزيد؛ لأنه يقبح العطف على المضمر والمضمر (في النية) [[في "معاني الزجاج" 2/ 164: في النية لا علامة له.]]، فكان الاسم يصير معطوفًا على ما هو متصل بالفعل غير مفارق له [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.]]. وقال الفراء: ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك، كان صوابًا؛ لأنه في إحدى القراءتين: ﴿إنه يراكم وقبيلُه﴾ [الأعراف: 27]، واذهب أنت وربك أكثر في كلام العرب، وذلك أنه العطف على الاسم المضمر المرفوع؛ لأن المرفوع خفي في الفعل وليس كالمنصوب؛ لأن المنصوب يظهر، فتقول: ضربته وزيدًا، وضربتك وزيدًا. وتقول في المرفوع: قام، وقاما، فلا ترى اسمًا منفصلًا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره [["معاني القرآن" 1/ 304.]]، (فقيل: قام هو وعمرو) [[ما بين القوسين زيادة على "معاني القرآن".]]. قال [[أي الفراء.]]: وإذا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عليه الفعل حسن بعض الحسن، من ذلك قولك: (ضربت زيدًا وعمرًا [[في "معاني القرآن": ضربت زيدا وأنت.]])، فلو لم يكن (زيد) [[في (ج): (زيدا).]] لقلت: (ضربت أنا وعمرو) [[في "معاني القرآن" 1/ 304: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل. وقد أنتهى إلى هنا كلام الفراء، وما بعده من أمثله لعله من المؤلف.]]. ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: 67]. قال الزجاج: وإنما جاز لأن المفعول يقوي الكلام كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] [[انتهى من "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.]]. فصار ذِكرُ لا وذكرُ المفعول عوضًا من المنفصل. واختلفوا في معنى قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فقال أصحاب المعاني: إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر؛ لأنه على وجه الجهل بالله عز وجل [[قال الطبري في "تفسيره" 6/ 180: وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى وليُعِنْك ربك، وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب، ولعل الطبري في "تفسيره" يقصد بهذا القائل أبا عبيدة. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، ثم رد هذا القول بقوله: وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل، وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله ﷺ خلاف ما قال قوم موسى لموسى: حدثنا سفيان، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي ﷺ: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكم مقاتلون. "جامع البيان" 6/ 180، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 45.]]، وإن قالوه على وجه الخلاف لأمره ولنبيه فهو فسق [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.]]. وقال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 850، وذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 128، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 456.]]. وإنما أخبر عنهم بهذا إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من جهلهم. وقال بعضهم: إنهم قالوه على المجاز، على تأويل: اذهب أنت وربك معينٌ لك، فأضمر خبر الابتداء [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، و"بحر العلوم" 1/ 428، و"زاد المسير" 2/ 427، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.]]. والأول أظهر لقيام قوله: ﴿فَقَاتِلَا﴾ مقام خبر الابتداء. وحكى بعض المفسرين أنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أخاه هارون، قال: وكان أكبر من موسى [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.]]. والظاهر أنهم قالوا هذا جهلًا منهم، وفسقوا بذلك؛ لأن الله تعالى قال في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، يريدهم [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.]]. قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي ﷺ وأن الخلاف شأنهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 163.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب