الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزولها؛ فقال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في ثوبان [[هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، وقيل: ابن جحدر، من حمير اليمن، أصابه السِّباء فاشتراه الرسول ﷺ وأعتقه وخيره بين البقاء معه واللحاق بأهله فاختار البقاء معه وخدمته حتى توفي الرسول ﷺ فارتحل إلى مصر والشام ومات رضي الله عنه بحمص سنة 54 هـ. انظر: "أسد الغابة" 1/ 296، "سير أعلام النبلاء" 3/ 15، "الإصابة" 1/ 204.]] مولى رسول الله ﷺ، وكان بلغ من حبِّه لرسول الله ما شجاه وأثر فيه، فسأله رسول الله ﷺ عن حاله، فقال: إني لا أكاد أصبر عنك، وأذكر الآخرة وأنت تُرفع في درجة النبيين، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي [[ذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 367، وأورده غير منسوب لابن عباس الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 84 ب، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" 168 - 169، وقال الحافظ ابن حجر: "حكي ذلك عن جماعة من الصحابة" "الكافي الشاف" ص 46، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وقد أخرج الطبراني وابن مردويه من طريق الشعبي عن ابن عباس: "أن رجلاً أتي النبي ﷺ .. " "الحديث بمعناه. انظر: ابن كثير 2/ 334 ط "الدر المنثور" 2/ 325.]]. وقال السدي: إن ناسًا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية [[أخرجه الطبري 5/ 164، وانظر: "الدرالمنثور" 2/ 325.]]. وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله، فقال: لأنت أحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أني آتيك فأراك ، فظننت أني سأموت وبكى. فقال له النبي ﷺ: ما أبكاك؟ فقال: ذكرت أنك تُرفع مع النبيين، ونحن إن دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يُخبره النبي ﷺ بشيءٍ، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾، فقال له النبي: أبشر [[أخرجه السمرقندي في "بحرالعلوم" 1/ 367، وسعيد بن منصور وابن المنذر. انظر: "الدر المنثور" 2/ 325. وورد نحوه مرفوعاً من طريق الشعبي عن ابن عباس وعائشة وبعض التابعين. انظر: الطبري 5/ 163 - 164 "أسباب النزول" للمؤلف 169 - 170، وابن كثير 1/ 573 - 574، "الدرالمنثور" 2/ 325، "لباب النقول" ص (74).]]. وقال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رُفعت في الأعلى (فحزن النبي ﷺ) [[ما بين القوسين بياض في (ش)، والتسديد من "التفسير الكبير" 10/ 170.]] وحزنوا، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ [[انظر: "التفسير الكبير" 10/ 170.]]. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار، قال للنبي ﷺ: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، وذكرتُ درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل هذه الآية، فلما توفي النبي ﷺ أتى الأنصاريَّ ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي ﷺ، فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتى ألقى حبيبي. فعمي مكانه، وكان يُحب النبي ﷺ حبًا شديدًا، فجعله الله معه في الجنة [["تفسير مقاتل" 1/ 387، 388، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 170، وهذا الأثر غريب لوروده من طريق مقاتل وهو مطعون فيه، ولأن سؤال الرجل العمى لا يتفق وورود النهي عن مثله والأمر بسؤال الله العافية، ولأن فيه ما يحتاج إلى توقف وقد انقطع الوحي.]]. قال الكلبي وغيره: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السنن [["الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص 89، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 126، إلى ابن عباس.]]. قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي المطيعون. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. وقوله تعالى: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾. أي أنه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم [[انظر: "معالم التنزيل" 2/ 247، "التفسير الكبير" 10/ 171، والقرطبي 5/ 272.]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصِّدِّيقِين﴾. قال ابن (المظفر: هو من) [[ما بين القوسين غير واضح في (ش)، وأثبته حسب الرجوع إلى "العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق).]] صدّق بكل ما أمر الله، لا يتخالجه في شيء منه شك، وصدق الأنبياء، فهو صديق. وهو قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19] [["العين" 5/ 56، "تهذيب اللغة" 2/ 1990 - 1991 (صدق)، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 172.]]. وقال الكلبي: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه السلام [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسيرالكبير" 10/ 172، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال مقاتل: الصديقون [أول] [[بياض في (ش) والتسديد من "الوسيط" 2/ 614.]] من صدّق بالأنبياء (حين عاينوهم) [[ما بين القوسين غير واضح، وما أثبته استعانة "بالوسيط" 2/ 614.]] [["تفسيره" 1/ 388.]]. وقال الزجاج: الصديقون أتباع الأنبياء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. قد ذكرنا مستقصى ما قيل في الشهيد عند قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]. وأما تفسير الشهداء ههنا فقال الكلبي ومقاتل: هم القتلى في سبيل الله [["تفسير مقاتل" 1/ 388، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "معالم التنزيل" 2/ 247، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.]]. وقال الزجاج: هم القائمون بالقسط [[ليس في "معاني القرآن وإعرابه".]]. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾. قال الكلبي: هم سائر المسلمين [[في "تنوير المقباس" ص 89: "صالحي أمة محمد"، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 85، "الوسيط" 2/ 614.]]. وقال مقاتل: أهل الجنة [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال الزجاج: أي حسن الأنبياء وهؤلاء رفيقًا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 73.]]. ومعنى الرفيق [[هكذا في (ش) ولعل الصواب: الرفق (بدون ياء على المصدر) وسياق الكلام يدل عليه. وانظر: "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175.]] في اللغة: لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، وقد رفق يرفق [[من "العين" 5/ 149، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. هذا معناه في اللغة. والصاحب يسمى رفيقًا لارتفاقك به وبصحبته، ومن هذا قيل للجماعة في السفر رفقة، لارتفاق بعضهم ببعض [[انظر المصدرين السابقين.]]. قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً، وإنما يجوز ذلك إذا كان اسمًا مأخوذًا من فعل [[هكذا الحركة فوقية على الفاء، وقد تكون تحتية لاختلاف المصطلحات الإملائية عبر العصور.]]، ولم يكن اسمًا مصرحًا مثل: رجل وامرأة [[كلام الفراء ليس في "معاني القرآن"، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 73، "تهذيب اللغة" 2/ 1443 - 1444، "اللسان" 3/ 1696 (رفق).]]، ألا ترى أن الشاعر قال: وإذا هم طعموا فألأم طاعمُ [[صدر بيت وعجزه: وإذا هم جاعوا فشر جياع وانظر: "نوادر أبي زيد" ص 152، والطبري 1/ 652، و"البحر المحيط" 1/ 332، و"معاني الفراء" 1/ 33، و"المحرر الوجيز" 1/ 134، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 417.]] قال أبو إسحاق: لا فرق بين رفيق ورجل؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعة نحو: أجمل فتى وأحسنه، المعنى: هو أجمل الفتيان وأحسنهم. ولو قلت حسن القوم مجاهدًا في سبيل الله، وحسن القوم رجلاً، كان واحدًا. فقوله ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، وينوب عن رفقاء [["معاني الزجاج" 2/ 73، 74 بتصرف. وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1443 (رفق).]]. وعند الفراء لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين، لا يجوز حسن أولئك رجلاً [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق).]]، وأجازه الزجاج كما ذكرنا، قال: وهو مذهب سيبويه [[من "تهذيب اللغة" 2/ 1443، وانظر: "اللسان" 3/ 1696 (رفق)، "التفسير الكبير" 10/ 175. وفي رأي سيبويه، انظر: "الكتاب" 3/ 582، 624.]]. وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ حسن كل واحد منهم رفيقًا، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 85 أ، "التفسير الكبير" 10/ 175، والقرطبي 5/ 272.]]. وانتصاب ﴿رَفِيقًا﴾ على الحال، معنى: حسن كل منهم مرافقًا [[وقيل: على التمييز، ورجحه ابن جرير. انظر: "تفسير الطبري" 5/ 163، "معاني الزجاج" 2/ 73، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 432.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب