الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله [["الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 36، "تفسير الحسن البصري" 1/ 266.]]، فتكون (على) بمعنى عند. وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: 54]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة، "معاني الزجاج" 2/ 231، 254.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي [[أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة -رحمه الله- أنه قال في هذه الآية: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره، "تفسير الطبري" 4/ 298، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، "معالم التنزيل" 2/ 184.]]؛ لأن من عمل ذنبًا وهو لا يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابًا؛ لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة. قال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته [[من "الكشف والبيان" 4/ 26 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 184.]]، ومثل هذا قال الفراء [[قال في "معاني القرآن" 1/ 259: لا يجهلون أنه ذنب، ولكن لا يعلمون كنه ما فيه كعلم العالم.]]. وهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة. والصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن عصى ربه فهو جاهل [[كما تقدم عن قتادة ونقله الإجماع من الصحابة على ذلك.]]، يدل عليه قوله عز وجل إخبارًا عن يوسف: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، أي من العاصين [[انظر: "الدر المنثور" 2/ 232.]]. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل [[في (د): (جهل)، واللفظان متقاربان، وما أثبته يصح بتقدير: أن ذنب المؤمن يقع بجهل منه.]] منه [[أخرج الطبري من طريق الكلبي عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. "تفسير الطبري" 4/ 299، وانظر: "الوسيط" 2/ 478، ابن كثير 2/ 504، "الدر المنثور" 2/ 232.]]. وقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال [["معاني القرآن" 2/ 29.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق [[أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 479، ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 27 أبنصه إلى أبي موسى الأشعري، ولم أجده عن ابن عباس، لكن ثبت من طريق ابن أبي طلحة عنه أنه قال: القريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. "تفسير ابن عباس" ص 139، والطبري 4/ 300. والمراد بالفواق فواق الناقة وهو رُجوع اللبن في ضَرعها أو ما بين الحَلبتين. انظر: "اللسان" 6/ 3488 (فوق).]]، وهو قول أبي موسى الأشعري [[هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، مشهور باسمه وكنيته أسلم مبكرًا واستعمله النبي ﷺ على اليمن، كان حسن الصوت بالقراءة فقيهًا مكثرًا من رواية الأحاديث مجاهدًا. توفي - رضي الله عنه - سنة 42 هـ، وقيل بعدها. انظر: "تاريخ خليفة" ص 97، 135، 211، "أسد الغابة" 3/ 367، "الإصابة" 2/ 359.]] [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 27 أ]]. وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب [[أخرج قولهما بنحوه الطبري 8/ 301، وبنصه من "الكشف والبيان" 4/ 27/ أ، وانظر: البغوي 2/ 185، وابن كثير 1/ 504.]]، وكذلك قال الزجاج، أي: يتوبون قبل الموت؛ لأن ما بين الإنسان والموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 29.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة [[راجع ما سبق من التعليق على الأثر المتقدم عن ابن عباس.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب