الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ الآية. اليهود تدعى أنهم قتلوا عيسى بن مريم، وقد كذبوا في ادعائهم ذلك، واستحقوا على هذه الدعوى ما يستحقه قاتل عيسى، لأنهم أتوا ذلك الأمر على أنه قتل نبي. قاله الزجاج وغيره [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 128، و"زاد المسير" 2/ 244.]]. قال المفسرون: إنَّ عيسى عليه السلام لما أراد الله عز وجل رفعه إليه قال لأصحابه: "أيكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي، فيقتل ويصلب، ويدخل الجنة؟. فقال رجل منهم: أنا. فألقي عليه شبهه، فقُتل وصُلب، وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى، فقال الله تعالى تكذيبًا لليهود: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ " [[انظر: الطبري 6/ 12 - 13، و"بحر العلوم" 1/ 402، و"الكشف والبيان" 4/ 139 أ، و"زاد المسير" 2/ 244، و"ابن كثير" 1/ 633.]]. قال ابن السكيت: يقال: صَلَبَه يَصْلُبُه صَلبًا، وأصله من الصليب وهو الودك، وأنشد: ترى لِعظامِ ما جَمعت صَليبًا [["تهذيب اللغة" 2/ 2037 (صلب)، والصيب: ودك العظام. وما أنشده عجز بيت لأبي خراش الهذلي، وصدره: جريمة ناهض في رأس نيق انظر -إضافة إلى "التهذيب"- "ديوان الهذليين" 2/ 133 و"الحجة" 3/ 196 وسيأتي.]] وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح. وهذا قول الحسن وقتادة ووهب [[تقدمت ترجمته.]] ومجاهد [[انظر: الطبري 6/ 12 - 17، و"تفسير الهواري" 1/ 435، و"الكشف والبيان" 4/ 139 أ، وابن كثير 2/ 430، و"الدر المنثور" 2/ 423.]]. وقال غير هؤلاء: إنَّ الله جل وعز لما رفعه إليه خاف رؤساؤهم فتنة عامتهم بأن الله منعهم منهن، فعمدوا إلى إنسان فصلبوه ولبسوا على الناس، وذلك أنهم رأوا قتيلًا مصلوبًا من بعيد، قد أرجف بأنه المسيح، فتواطؤوا على ذلك وحكموا به [[لم أقف عليه.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في قتله [[انظر: الطبري 6/ 12، و"بحر العلوم" 1/ 402.]]، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبَّه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره [[انظر: "الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليهم رجل منهم، فألقى الله عز وجل شبه عيسى عليه، ورفع عيسى إلى السماء من كوة في البيت، فدخلوا البيت وقتلوا ذلك الرجل على أنه عيسى، ثم إنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه [[أخرجه بمعناه الطبري 6/ 14، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. وقال أبو إسحاق: الذين اختلفوا في قتله شاكُّون، لأن بعضهم زعم أنه إله ما قُتل، وبعضهم زعم أنه قُتل، وهم في ذلك شاكُّون [["معاني القرآن واعرابه" 2/ 128.]]. وقال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه، وقال بعضهم: ما قتلناه ولكن رأيناه يُرفع إلى السماء ونحن ننظر إليه [["الكشف والبيان" 4/ 140 أ.]]. قال الله عز وجل: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ منصوب على أنه استثناء ليس من الأول، المعنى: ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 468، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 212.]]. والكناية في قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْه﴾ تعود إلى القتل، والمعنى: وإن الذين اختلفوا في قتل عيسى لفي شك من قتله، ما لهم بعيسى من علم قُتل أو لم يقتل [[انظر: الطبري 6/ 12، و"بحر العلوم" 1/ 402.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى المسيح، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، والمعنى: ما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 129. وهذا الوجه رجحه السمين الحلبي، وذكر أن عليه جمهور المفسرين. انظر: "الدر المصون" 4/ 147.]]. وقال الحسن: معنى (يقينًا) ههنا حقًّا [[انظر: "زاد المسير" 2/ 246.]]. فيجعله من تأكيد الخبر، وعلى هذا يتم الكلام عند قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي يقينًا ما قتلوه، على: حقًّا ما قتلوه. وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يعود معنى اليقين إلى رفع الله تعالى إياه، أي: رفعه الله إليه يقينًا بغير شك. والنصب ليقين جواب مضمر، كأنه قيل: يقينًا لقد رفعه الله إليه باليقين، ومذهب القسم ينتصب بجوابه المضمر، فحذف الجواب واكتفى بما دل عليه من قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]. ولا يجوز أن تنصب يقينًا بالفعل الذي بعد (بلُ)، لأن بل أداة مانعة، فلم يعمل ما بعدها فيما قبلها [[انظر: "زاد المسير" 2/ 246، و"الدر المصون" 4/ 148.]]. ويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الظن [[هذا هو الوجه الثاني.]]، يريد: ما قتلوا ذلك الظن يقينًا، أي لم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبهة في قتله، وهذا قول ابن عباس والسدي [["تفسير ابن عباس" ص 164، وأخرج قولهما الطبري 6/ 17، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 391.]]. ويزيد هذا بيانًا ما قاله الفراء والزجاج: إنَّ الهاء ههنا للعلم، كما تقول: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، أي علمته علمًا تامًّا [["معاني الفراء" 1/ 294، و"معاني الزجاج" 2/ 128]]. قال ابن قتيبة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يعني العلم، لم يتحققوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أنَّ القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به، وإنما كان ظنًا [["تأويل مشكل القرآن" ص 133، وانظر: "غريب القرآن" له ص 137.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب