الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [[هذِه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة النساء، وقد ذُكرت هكذا في المخطوط بعد الآية (121) وتركت الآية (122)، ويحتمل أن المؤلف لم يتعرض لها، فقد قال في "الوسيط": "قوله عز وجل:- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: 122] ظاهر إلى قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ "الوسيط" 2/ 114.]]. اختلفوا في نزول هذه الآية: فقال مجاهد وابن زيد: نزلت في كفار قريش وأهل الكتاب، قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة [[أخرجه بنحوه عن مجاهد وبمعناه عن ابن عباس وابن زيد: الطبري 5/ 289 - 290، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.]]. وقال مسروق والسدي وقتادة والضحاك: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب [[أخرجه بمعناه عنهم الطبري 5/ 288 - 291، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 ب واختار الطبري القول الأول معللًا لذلك بقوله: "لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم، ذكر فيما مضى في الآي قبل قوله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء:119] وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ... " "تفسير الطبري" 5/ 291.]]. قال أهل المعاني: معنى الآية: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية، ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ أي ليس يُستحق بالأماني، إنما يُستحق بالإيمان والعمل الصالح [[كأن هذا ترجيح للقول الأول في المراد بالضمير في "أمانيكم"، وهو قوي.]]. وهذا معنى قول الزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390.]]، قال: اسم ليس مضمر، المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390، و"الكشف والبيان" 4/ 123 ب.]]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ اختلفوا في معناه: فقال الحسن وابن زيد: هذا في الكفار خاصة؛ لأنه يجازون بالعقاب على الصغير والكبير [[أخرجه عنهما بمعناه الطبري 5/ 293، وسيأتي عند المؤلف سياق لأقوالهما.]]. وقال الضحاك في هذه الآية: يقول: ليس لكم ما تمنيتم، وليس لأهل الكتاب ما تمنوه، من عمل سوءًا شركًا فمات عليه يُجز به النار [[أخرجه بمعناه الطبري من طرق 5/ 293، وانظر: "الدر" 2/ 399.]]. وقال مقاتل بن حيان: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ بلغنا أنه الشرك [[لم أقف عليه عن مقاتل بن حيان. وهذا القول لابن عباس وسعيد بن جبير، أخرج ذلك الطبري 5/ 293.]]. وقال الحسن في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة عمله، ولكن المؤمن يُجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: 35]، وقرأ أيضًا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17] [[أخرجه بنحوه من طرق: الطبري 5/ 292، وذكره بلفظه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 124 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.]]. وقال سعيد بن جبير: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ بغير الشرك [[الوارد عن سعيد بن جبير كما في الطبري 5/ 293 إنه فسر السوء بالشرك.== وانظر: "الدر المنثور" 2/ 405، والظاهر أن كلمة "بغير" زائدة من النساخ؛ لأن كلام المؤلف في سياق أقوال الذين يرون أن الآية في الكفار خاصة.]]. ويدل على أن المراد بهذه الآية الكفار دون المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ومن يكن [[هكذا في المخطوط والصواب: ومن لم يكن.]] له في القيامة ولي ولا نصير كان من جملة الكفار؛ لأنَّ المؤمنين وعدوا النصر في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: 51]. وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، فقال عكرمة عن ابن عباس: من يعمل سوءًا يُجز به إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه [[لم أقف عليه، والثابت والمشهور عن ابن عباس كالقول الأول أن المراد بالآية الكفار والمشركين خاصة. انظر: "تفسيره" ص 159، والطبري 5/ 293، و"زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.]]. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فكيف الجزاء؟ قال: منه ما يكون في الدنيا، فمَنْ يعمل حسنةً فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وقضيت له حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة، فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل من حسناته وسيئاته، فيُلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة [["الكشف والبيان" 4/ 123 ب.]]. وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تمرض؟ أليس تصيبك اللأواء [[اللأواء: الشدة والمشقة وضيق العيش. انظر: "اللسان" 7/ 3978 (لأى).]]؟ -قال: بلى- قال: فهو ما تجزون به [[أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 1/ 11، والطبري 5/ 294، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة 3/ 74، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 123 ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 715. وذهب أحمد شاكر إلى أن في إسناده انقطاعًا وذلك في تحقيقه للطبري.]]. وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء فقال: إنها لكم أنزلت، ولكن أبشروا، إنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّرَ اللهُ بها خطيئة، حتى الشوكة يُشاكها أحدكُم في قدمه [[أخرجه مسلم بنحوه (2574) كتاب: البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه ... وغيره وانظر: "الدر المنثور" 2/ 400.]]. وهذا الذي ذكرنا من أن الجزاء يراد به مصائب الدنيا مذهب أبي بن كعب وعائشة ومجاهد. وقالوا: إن الآية عامة لجميع الناس [[انظر: "زاد المسير" 2/ 210.]]. واختاره محمد بن جرير [[في "تفسير الطبري" 5/ 293.]]. وقال أبو إسحاق: قد أعلم الله عز وجل أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء ما لم يكن كافرًا مرجو له العفو والرحمة، والنبي ﷺ شافع لأمته مشفَّع [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 112.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد وليًا يمنعه، ولا نصيرًا ينصره [[انظر: "الوسيط" 2/ 718، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.]]. وتأويل هذا ظاهر في الكفار، وأما في المسلمين فإنه لا ناصر لأحد في القيامة دون الله، ولا ولي للمسلمين غير الله. وشفاعة الشافعين تكون بإذن من الله، فليس يمنع أحدٌ أحدًا غير الله تعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب