الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية. النجوى في اللغة سر بين اثنين [[قال الجوهري: "النجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا، إذا ساررته، وكذلك: ناجيته" "الصحاح" 6/ 2503 (نجا)، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.]]. قال الفراء: يقال: ناجيت الرجل مناجاةً ونجاءً، والقوم ينتجون ويتناجون، ويقال: نجوت الرجل نجوًا نجوًا، بمعنى ناجيته، وأنشد: فقال فريق القوم لا إذ نجوتُهم ... وقال فريق أيمن الله ما ندري [[هذا المستفاد من الفراء لم أجده في "معاني القرآن" عند تفسيره هذه الآية فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر". والبيت لنصيب بن رباح وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 3/ 503، 4/ 148، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 106، 115، و"الإنصاف" ص 344. وفي أكثرها "لما نشدتهم" بدل: "إذ نجوتهم" وفي جميعها: "ليمن" بدل: "أيمن".]] ومن هذا قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: 7] أي سرهم. وقد يكون النجوى مصدرًا بمنزلة المناجاة [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3509 (نجو).]]، والنجوى أيضاً القوم المنتجون اسم لهم، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47] [[انظر: الطبري 5/ 276، و"الصحاح" 6/ 2503 (نجا).]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿مَنْ﴾ وجوها، تلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، لأنه استثناء الشيء من خلافه، فيكون نصبًا كقوله: إلا أواري [[من بيت للنابغة الذبياني يقول فيه: "وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد" "الكتاب" 2/ 321، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 276 - 277، و"أشعار الستة الجاهلين" 1/ 188. والأواري جمع: آري، وهو محبس الدابة ومعلفها.]]. ويجوز أن يكون رفعًا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 277، و"معاني الزجاج" 2/ 106.]] كقوله: إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ [[عجز بيت لجران العود النميري، وصدره: "وبلدة ليس بها أنيس". "الكتاب" 2/ 322، و "معاني الفراء" 1/ 288، والطبري 5/ 277. واليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية، والعيس: بقر الوحش.]] وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف، فقال: التقدير: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف [[لعل المقصود أن هذا رأي الزجاج، حيث وجدت نحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، ولم أجد "مجاز القرآن" لأبي عبيدة شيئًا من ذلك.]]. وعلى هذا التقدير يكون من في محل النجوى، لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الخفض بدلًا من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد، والثاني: النصب على الاستثناء، كما تقول: ما جاءني أحدًا [[هكذا في المخطوط بالنصب، والظاهر أنه بالرفع على الفاعلية.]] إلا زيدًا، فهذا استثناء الجنس من الجنس [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452.]]. وإن جعلت النجوى اسمًا للقوم المنتجين كان منصوبًا على الاستثناء، لأنه استثناء الجنس من الجنس. ويجوز أن يكون في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجعله تبعًا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. والثاني: أن تجعله تبعًا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيدًا، إن شئت أتبعت زيدًا لجماعة، وإن شئت أتبعته القوم. وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء [[في "معاني القرآن" 1/ 288.]] والزجاج [[في "معاني القرآن" 2/ 106.]] وغيرهما من النحويين [[انظر: الطبري 9/ 202، 203، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208، و"الدر المصون" 4/ 89.]]. فأما التفسير: فقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح: المراد بالنجوى: نجوى قوم طعمة [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"زاد المسير" 2/ 198، و"تنوير المقباس" ص 97.]]. قال مقاتل: تناجوا في شأن طعمة، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 198.]]. ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يجعل فيما يتسارون بينهم خيرًا إلا فيما استثنى من الأمر بالصدقة والحث عليها [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 199.]]. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد صلة رحم وبطاعة الله [[لم أقف عليه.]]. وقال فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: يقول: أقرض إنساناً [["الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.]]. ونحو ذلك قال مقاتل، يعني بالمعروف القرض [[انظر: "زاد المسير" 2/ 200، و"الدر المنثور" 2/ 388، وقد عزاه السيوطي إلى كل من ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ويقال لأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها، وأهل الصلاح والدين يعرفونها لملاِبستهم لها، وعملهم بها [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 200.]]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هذا مما حث عليه رسول الله ﷺ فقال لأبي أيوب الأنصاري [[هو الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وقد اشتهر بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي ﷺ عليه حين قدم المدينة مهاجرًا، وقد مات رضي الله عنه غازيًا الروم سنة 50 هـ وقيل بعدها. انظر: "أسد الغابة" 2/ 94 - 96، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 402، و"الإصابة" 1/ 405 (2163)، و"التقريب" ص 188 رقم (1633).]]: "ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ " قال: نعم يا رسول الله. قال: "تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" ذكره ابن عباس في تفسير هذه الآية [[ذكره الهيثمى في "مجمع الزوائد" 8/ 79، 80 بنحوه، وعزاه لكل من الطبراني والبزار، وذكر أن في كل من سنديهما متروكًا، وانظر: ابن كثير 1/ 610، و"الدر المنثور" 2/ 392.]]. قال مجاهد: "هذه الآية عامة للناس" [[انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 198.]]. يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير. يدل على هذا ما روت أم حبيبة [[هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية، تزوجها رسول الله ﷺ بعدما تنصر زوجها عبد الله بن جحش وهما في الحبشة، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وماتت سنة 44 هـ. انظر: "الاستيعاب" 4/ 401، و"أسد الغابة" 7/ 115، و"الإصابة" 4/ 305.]] أن النبي ﷺ قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله" [[أخرجه ابن ماجه (3974) كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، وابن مردويه. انظر: ابن كثير 2/ 392.]]. وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث؟ فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ فهو هذا بعينه؟ أو ما سمعت الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:1 - 2] فهو هذا بعينه [[انظر: "الوسيط" 2/ 707، و"التفسير الكبير" 11/ 42.]]. ثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ﴾؛ لئلا يُتوهم أن من يفعله للناس (...... [[طمس في المخطوط بقدر ما بين أو أربع كلمات. ويمكن أن يقدر: (مراءاةً لهم وتمويهًا) عليهم ...]]) عليهم داخل في هذا الوعد. قال الزجاج: ونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: وهو راجع إلى تأويل المصدر [كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاء مرضات الله] [[طمس في (ش) بمقدار ما بين المعقوفين، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 106.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب