الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال الفرّاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: [يقال] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).]]: (صَدَدْتُهُ، أصده صَدًّا)، و (أَصْدَدْتُه، إصْدادًا) [[قال الجوهري: (صدَّ عنه، يَصِدُّ، صُدُودًا): أعرض و (صده عن الأمر صدًّا): منعه وصرف عنه. و (أصَدَّهُ)، لُغة). "الصحاح" 2/ 495 (صدد)، وانظر: "اللسان" 4/ 2409 (صدد)، "البحر المحيط" 3/ 14. وقال الزمخشري عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ القصص: 87: (وقرئ (يُصِدُّنَّك) من: أصَدَّه بمعنى: صَدَّه، وهي لُغة كلب). "الكشاف" 3/ 194.]]، وأنشد: أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهمُ ... صُدُودَ السَّواقِي عن أُنُوفَ الحَوائِمِ [[البيت لذي الرُمَّة، وهو في ديوانه: 771. وورد في "الصحاح" 2/ 495 (صدد)، "الكشاف" 2/ 366، 3/ 194، "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 608، "اللسان" 4/ 2410 (صدد)، "البحر المحيط" 3/ 14. وروايته في "الديوان": == أناس أصدوا الناس بالضرب عنهم ... صدودَ السواقي عن رؤوس المخارِم ويروى: (السوافي) -بالفاء- وهي الرياح التي تسفي، التراب. و (الحوائم)، جمع: (حائم). من: (حام حول الشيء، يَحُوم حَوْما وَحَوَمانا): دار. وكلُّ مَن رام أمرًا فقد (حام عليه حَوْمًا، وحِياما، وحُؤُوما، وحَوَمانا). وكلُّ عطشان: (حائم). و (إبِلٌ حوائم وحُوَّمٌ): عطاش جدا، وهي: التي تحوم حول الماء من شدَّة العطش. انظر: (حوم) في "اللسان" 2/ 1061، "القاموس" (1098). وقيل: الحوائم: الإبل الغرائب، انظر: "شرح شواهد الكشاف" لمحب الدين أفندي 4/ 528. وعليه يكون معنى البيت: أنهم صدوا أعداءهم كما يصد السقاةُ الإبلَ الغرائبَ عن إبِلهم. أما على رواية "الديوان"، فقد قال في "اللسان" 4/ 2410 (صدد): (قال ابن برِّي، وصواب إنشاده: (صدود السواقي عن رؤوس المخارم). و (السواقي): مجاري الماء. و (المَخرِم)، منقطع أنف الجبل. يقول: صدُّوا الناسَ عنهم بالسيف، كما صُدَّت هذه الأنهار عن المخارم، فلم تستطع أن ترتفع إليها). قال الزمخشري -مبينًا الشاهد في البيت-: (والهمزة فيه داخلة على (صد صدودًا)؛ لتنقله من غير التعدِّي إلى التعدِّي). "الكشاف" 2/ 366.]] وقرأ الحَسَنُ: (تُصِدُّون) بضم التاء، مِن: أَصَدَّ [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 83 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 154، "البحر المحيط" 3/ 14، "فتح القدير" 1/ 553.]]. قال المفسرون [[منهم: السدي، وقتادة، والربيع. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 22، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 717، "فتح القدير" 1/ 555.]]: وكان صدهم عن سبيل اللهِ بالتكذيب بالنبي ﷺ، وأنَّ صفَتَهُ ليست في كتابهم، ولا البِشَارَة به متقدِّمَةٌ عندهم. وقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قال اللِّحْيانِي [[قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 367. وفيه (وبِغْيةً، وبِغًى مصدر). وقد نقله المؤلف عنه بتصرف.]]: (بَغَى الرجلُ في كل ما يطلبه من خير وشر، يَبْغِي، بُغاءً وبِغْيَة) [[ويقال: (بِغْيَة، وبُغْيَة، وبَغَى، وبُغايَة). انظر: "اللسان" 1/ 321 - 322 (بغا).]]. وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له: 1/ 227. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: العرب تقول: (ابغني كذا)؛ يريدون: ابتغه لي. فإذا أرادوا: ابْتَغ معي، وأَعِنِّي على طلبه، قالوا: (أَبْغِنِي)، ففتحوا الألف، وكذلك يقولون: (أُحْلُبْنِي وأَحْلِبني) [[فسَّرها الفراء في سوقه لهذا القول فقال: (فقوله: احلبني؛ يريد: احلب لي، أي: اكفني الحَلَب. وأحلِبني: أعني عليه. وأتبعها قائلا: (وبقيته مثل هذا). أي: بقية الكلمات التي ذكرها. "معاني القرآن" 1/ 228. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 447.]]، و (احْمِلْنِي وأَحْمِلْنِي)، و (اعْكُمْنِي وأَعْكِمْنِي) [[في (ب)، (ج): (واعلمني، وأعلمني). وقوله: اعكُمني -بضم الكاف-، ويجوز بسكرها. يقال: (عَكَم المتاعَ، يعْكِمُه عَكْمًا): وهو أن يبسط ثوبًا ويجعل فيه المتاعَ، ويشدَّه، ويسمى بعدها: (العِكْمُ)، والجمع: (أعكام) و (عُكوم). انظر: (عكم) في "المجمل" 623، "اللسان" 5/ 3060 - 3061.]]، على هذا القياس. و (العِوَجُ) [[من قوله: (العوج ..) إلى (فهو أعوج لكل ما يرى): نقله بتصرف واختصار من "تهذيب اللغة" 3/ 2264 - 2265.]] بكسر العين، في الأَمْرِ، وفي الدين والقول: المَيْلُ عن الاستواء في الطريق، وفي كلِّ ما لا يُرى. وكلُّ قائمٍ مُنْتصِبٍ يُرَى عَوَجُهُ، يقال: (فيه عَوَج)، بالفتح؛ كالحائط، والقَنَاة [[القناة -هنا-: الرمح، وكل عصا مستوية، وقيل: ولو مُعْوَجَّة. انظر: "القاموس" 1710 (قنى).]]، والشجرة. يقال: (عَوِجَ الشيءُ، يَعوَجُ، عَوَجًا)، فهو (أَعْوَجُ) لكل ما يُرى، [و (عِوَجًا)] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ). وفي (ب): وهوجًا. والمثبت من: (ج). وهذه الكلمة ليست في "تهذيب اللغة" وإنما فيه: (والأنثى: عوجاء). وقيل: إن الكسر يقال في الأمرين: الأجسام المرئية وغير المرئية، كالرأي والقول. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 98، "النهاية" لابن الأثير: 3/ 315. "اللسان" 5/ 3154 - 3155 (عوج). ولكن الراغب ذكر أن (العِوَج) -بالكسر- (يقال: فيما يدرك بالفكر والبصيرة كما يكون في أرضٍ بسيطٍ يُعرف تفاوتُه بالبصيرة، والدين والمعاش). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 592 (عوج).]] لما لا يرى. وأما المعنى، فقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده -كذلك- الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 172.]]: قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، (البَغْيُ): يُقتَصَرُ [[في (ب): (يقتدر).]] له على مفعول واحد، إذا لم يكن معه اللَّام، كقولك: (بَغَيْتُ المالَ والأجرَ والثوابَ). [وأريد ههنا] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (وارى أصله). والمثبت من (ج)، و"تفسير الفخر الرازي".]]: تَبغون لها عِوَجًا. فلما سقطت اللّامُ، عمل الفعلُ فيما بعدها، كما قالوا: (وَهَبْتُك [[في (ب): (أوهبتك).]] درهمًا)، وأصله: وهبت [[في (ب): (أوهبتك.)]] لك درهما، ومثله: (صدْتُكَ ظَبْيًا)، يعنون: صدْتُ لك. وكذلك: (جئْتُكَ)، كما قد [[(قد): ساقطة من: (ج).]] (وَرَّثْتُكَ من المال جملة)، وأنشد: فَتَولَّى غلامُهم ثُمّ نادَى [[في (ب): (الذي).]] ... [أَظَلِيمًا أَصِيدُكُم] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (أظبيا صيدكم). والمثبت من (ج).]] أم حِمَارا [[لم أقف على قائله. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 430، "تفسير الفخر الرازي" 8/ 172، "مغني اللبيب" 291، "شرح شواهد المغني" 596، "الدر المصون" للسمين الحلبي: 3/ 426. (الظَّليم): ذَكَرُ النَّعَام.]] أراد: أصيد لكم. والهاء في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدةٌ على السبيل؛ لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 319، "تفسير الطبري" 4/ 22، "الزاهر" لابن الأنباري: 2/ 108، "المذكر والمؤنث" له: 1/ 394.]]. و (العِوَجُ)، يعنى به: الزَيْغ والتحريف [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 22.]]؛ أي: تَلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعوَجَّة بتناقضها [[فإعراب ﴿عِوَجًا﴾ على هذا القول: مفعول به. انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 47، "تفسير الطبري" 4/ 22.]]. ويجوز أن يكون ﴿عِوَجًا﴾ في موضع الحال؛ والمعنى: تبغونها ضالِّين؛ وذلك [[في (ب): (والمعنى).]] أنهم كانوا يَدَّعون أنهم على دين اللهِ وسبيلِه، فقال الله: إنكم تبغون سبيلَ اللهِ ضالِّين عنها. وهذا قول أبي إسحاق [[في "معاني القرآن" له: 3/ 154.]]، ذكر ذلك في سورة إبراهيم، عند قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [[[سورة إبراهيم: 3]. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. وفي حالة إعرابها حالًا يكون معنى (تبغون): تتَعدَّوْن. و (البغي): التعدي. انظر: "الدر المصون" 3/ 326، "اللسان" 1/ 323.]]. وعلى هذا القول، لا يحتاج إلى إضمار اللّام في ﴿تَبْغُونَهَا﴾. وقال بعض أهل المعاني [[لم أقف عليهم.]]: تأويل [[في (ب): (أصل).]] الآية: يطلبون أن يُعْوِجُوا [[في (ج): (تطلبون أن تعوجوا).]] سبيل الله، وأن يكون فيها عِوَج؛ لأن معنى (سبيل الله): الطريق التي هي الوُصْلَة [[في (ب): (الموصلة).]] إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يُعْوِجوا هذا الطريق؛ حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها بدلالة اليهود. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 172.]]: يريد بها: في التوراة. [قال المفسرون] [[ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ) وساقط من: (ب). والمثبت من (ج). وممن قال بهذا: قتادة، والربيع، وابو جعفر الرازي، وقريبًا منه قال مقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 24، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 718، "تفسير مقاتل" 1/ 292، "الدر المنثور" 2/ 104.]]: يعني: أنتم شُهداء أنَّ في التوراة مكتوبًا أنَّ دينَ اللهِ الذي لا يقبل غيره، هو الإسلام. وهذا معنى قول ابن عباس. وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 447. نقله عنه بنصه.]]: أي: أنتم تشهدون بما قد ثبت في نفوسكم أن أمر النبي ﷺ حقٌ. وقيل [[لم أقف على القائل. وأورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 173.]]: معناه: وأنتم شهداء أن لا يجوز الصَدُّ عن سبيل الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب