الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في شهداء أحد [[ممن قال ذلك: ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الضحى، والربيع. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 170 - 175، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 812 - 813؛ و"زاد المسير" 1/ 499، و"تفسير القرطبي" 4/ 268 - 269، و"تفسير ابن كثير" 1/ 460 - 463. وقيل: نزلت في شهداء بدر. وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 313. وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة. روى ذلك عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عن == أنس بن مالك. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 184 - 187، و"تفسير الطبري" 4/ 173، و"تفسير الثعلبي" 3/ 146 أ، و"أسباب النزول"، للواحدي ص 134، و"زاد المسير" 1/ 500، و"تفسير القرطبي" 4/ 269. وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تنفيسًا عنهم، وإخبارًا عن حال قتلاهم. ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 147 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 134 ولم يعزواه لقائل. وانظر الروايات في أسبابها في: "الدر المنثور" 2/ 169، و"فتح القدير" 1/ 600 - 601، و"تفسير ابن كثير" 1/ 463.]]. روى ابن عباس عن النبي ﷺ، قال: "لَمَّا أُصِيبَ إخْوانكم يومَ أُحُد، جَعَلَ اللهُ أرواحَهم في أجواف طَيْر خُضرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّة، وتأكل مِنْ ثمارِها، وتَسْرَحُ مِنَ الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فَلَمَّا رأوا طِيبَ مَقِيلِهم [[المقيل: هو النوم وقت القائلة، وهو: نصف النهار. يقال: (قال قَيْلا، وقائلة، وقَيْلُولة، ومَقَالا، ومَقِيلا) انظر: "القاموس" 1359 (قيل).]] ومطعمهم ومشربهم، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون مما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله عز وجل بنا؛ كي يرغبوا في الجهاد، وقال الله عز وجل: أنا مخْبِرٌ عنكم، ومُبَلغ إخوانكم، فَفَرحوا بذلك واستبشروا؛ فأنزل الله هذه الآية" [[الحديث، أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (2520) كتاب الجهاد. باب فضل الشهادة، وأحمد في "المسند" (شرح الشيخ شاكر) 4/ 123، 124رقم (2388، 2389)، وهنّاد بن السري في "الزهد" 1/ 234 رقم (156)، والطبري في "تفسيره" 4/ 170 - 171، والحاكم في "المستدرك" 2/ 297 - 298. وقال: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 145 أ، والواحدي في "أساب النزول" ص132، والبيهقي في "السنن" 9/ 163، وأورده التبريزي في "مشكاة المصابيح" 2/ 1131 رقم (3853)، وابن كثير في "تفسيره" == 1/ 427 وزاد نسبة إخراجه لسفيان الثوري، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" (انظر: "صحيح الجامع الصغير" للألباني 2/ 924 رقم (5205) وصححه)، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 168 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".]]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، أي: (بل هم أحياءٌ)، فهو رَفعٌ بالابتداء. وخبره: قوله [[(قوله): ساقط من (ب).]]: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [[فـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ مقدر هو (هم)، وجملة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبر ثانٍ للمبتدأ المقدر. وقيل: إنها في محل رفع صفة لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾، وقيل في إعرابها غير ذلك. انظر: "الدر المصون": 3/ 483، و"روح المعاني" 4/ 122.]]. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن"، له 1/ 488. نقله عنه بمعناه.]]: ولو قُرِئ: (أحياءً) [[في (ج): (أحيا). وهكذا رسمت في (ج) فيما بعدها مما سيأتي منها. وقد قرأها بالنصب ابن أبي عبلة. انظر: "البحر المحيط" 3/ 113، و"تفسير الثعلبي" 3/ 148 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 417.]] -بالنصب-، لجاز [[أي: لجاز من الناحية النحوية، لا من ناحية جواز القراءة بها.]]، على معنى: بل احسبهم أحياءً [[وإليه ذهب الزمخشري في "الكشاف" 1/ 479. وهناك توجيه آخر للنصب، وهو: العطف على ﴿أَمْوَاتًا﴾، كما تقول: (ما ظننت زيدًا قائمًا بل قاعدًا). انظر: "التبيان" للعكبري 1/ 309.]]. قال أبو علي الفارسي [[في "الإغفال" 1/ 509. نقله عنه بمعناه]]: لا يجوز ذلك؛ لأنه أَمْرٌ بالشَّكِّ، ولا يجوز أنْ يَأْمُرَ [[في (ج): (يأمرك).]] الله [[(لفظ الجلالة): ليس في (ج).]] بالشك، ولا يجوز أن نتأول [[ورد في (ب) بعد قوله: (نتأول) عبارة: (هذا أن). وهي زيادة لا وجه لها.]] في (الحِسْبَانِ) معنى العِلْم، على أن يكون معنى (احسبهم أحياء): اعلمهم؛ لأن ذلك لم يذهب إليه [أحدٌ من أهل] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).]] اللغة [[قال أبو حيان -بعد أن ذكر قول الفارسي-: (وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد يقع (حسب) لليقين؛ كما تقع (ظن)، لكنه في (ظن) كثير، وفي (حسب) قليل). ثم ذكر شواهد شعرية على ذلك. "البحر المحيط" 3/ 113، وانظر: "الدر المصون" 3/ 482.]] واختلفوا في كيفية حياة الشهداء: فالأصح ما ذكرنا عن النبي ﷺ، أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يُرزقون ويأكلون ويتنعمون. وقال جماعة من أهل العلم [[لم أقف عليهم.]]: معنى قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾: أن أرواحهم أُحْضِرَتْ دارَ السَّلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها [[في (ج): (يشهدها).]] إلى يوم البعث. وقال آخرون [[ممن قال ذلك: الأصم البَلْخي، كما في "تفسير الفخر الرازي" 9/ 95. والأصم، هو: حاتم بن عنوان الأصم، زاهد اشتهر بالورع والتقشف، من أهل بَلْخ، زار بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل، توفي 237 هـ. انظر: "الأعلام" للزركلي 2/ 152. وقد ذكر هذا القول الزجاج في "المعاني" 1/ 488، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 148 أ، ولم يعزواه لقائل.]]: لا تحبسهم أمواتًا في الدين والإيمان؛ بل هم [[(هم): ساقط من (ج).]] أحياء، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]. [وهذا الوجه] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي (ج): (في هذا). والمثبت من (ب).]] اختيار أبي إسحاق [[سياق أبي إسحاق لهذا القول لا يدل على اختياره له؛ حيث أورده مصدِّرًا له بقوله. (قال بعضهم: ..) ولم يعقب عليه. وأتبعه بأقوال أخر في الآية.]]. وقيل [[لم أقف على القائل. وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 148 أ، وأورد الأقوال السابقة وغيرها، ولم يعزها لقائل. وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 270.]]: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش، إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء [[(أ)، (ب): (تابوا على الوضو)، وفي (ج): (ماتوا على الوضو). والمثبت من: "تفسير الثعلبي" 3/ 148 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 270، حيث ورد فيهما هذا القول. والأثر في هذا المعنى أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" 441 رقم (1245) بسنده المتصل من طريق ابن لهيعة (قال: حدثنا عثمان بن نعيم الرعيني، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء، قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كانت جنبًا لم يؤذن لها بالسجود). وأورد هذا الأثر الحكيمُ الترمذي في "نوادر الأصول" 2/ 356، موقوفًا على أبي الدرداء، ولفظه: (إن النفوس تعرج إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر تباعد في سجوده، وما كان جنبًا لم يؤذن لها في السجود). وأورده ابن القيِّم في كتاب "الروح" 44 موقوفًا على أبي الدرداء من طريق ابن لهيعة. وأورد الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" 2/ 355 عن عبد الله بن عمرو؛ قال: (تعرج الأرواح إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا يسجد تحت العرش، وما لم يكن طاهرًا يسجد قاصيًا، فلذلك يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر). وذكر المعنى الغزاليُّ في "الإحياء" 1/ 343 وزاد العراقي في "تخريج الإحياء" نسبته إلى البيهقي في "الشُّعَب" موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بحيث لا يملك لهم أحدٌ نفعًا ولا ضرًّا، إلّا [[في (ج): (لأن).]] الله عز وجل. والثاني: هم أحياء عند ربهم؛ أي: في عِلْمِهِ بِعَمَلِهِم، -كذلك- كما تقول: (هذا عند الشافعي كذا)؛ أي: في عِلْمِهِ وقولِه. وقل [[لم أقف على القائل.]]: معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أنهم أحياء في دار كرامته، فمعنى (عند): معنى القرب والإكرام، بحضور دار السلام.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب