الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قال الفراء: نصبت قوم نوح بـ ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268. واعترض النحاس على الفراء في أنه منصوب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فقال: وهذا لا يحصل؛ لأن أغرقنا ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح. إعراب القرآن 3/ 161.]]. قوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وقال الزجاج: من كذب نبيًا فقد كذب جميع الأنبياء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 67. بمعناه. واقتصر على هذا الواحدي في "الوجيز" 2/ 779، حيث قال: من كذَّب نبياً فقد كذب الرسل كلهم؛ لأنهم لا يفرقون بينهم في الإيمان. وكذا البغوي 6/ 84 وابن عطية 11/ 40. واختاره ابن كثير 6/ 110.]]، وقوم نوح إذ كذبوه، فقد كذبوا أيضًا من قبله من الرسل [[ما ذكره الواحدي من تكذيبهم للأنبياء الذين كانوا قبل نبي الله نوح -ﷺ- غير مسلَّم؛ لأن نوحاً -ﷺ- أول الرسل، ليس قبله أحد كما دل على ذلك قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]، "الأصول الثلاثة وحاشيته" ص 49. ومن السنة حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فَيَاتُونَ نُوحًا يقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أوَلُ الرُسُلِ إِلَى أَهْل الأرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبكَ. أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، رقم: 3340، "الفتح" 6/ 371، ومسلم 1/ 180، كتاب الإيمان، رقم: 193. ومثل ما قال الواحدي قال البقاعي 13/ 387: ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم. وكذا أبو السعود 6/ 218، والقاسمي 12/ 263. وسمَّى بعضَهم البرسوي 6/ 211: كشيث، وإدريس. ويحتمل جمع الرسل في الآية ما قاله ابن عاشور 19/ 27: لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين مِن بعدهم. وقد أجاب ابن حجر 6/ 372، على من استشكل كون نبي الله نوح -ﷺ- أول الرسل، بنبوة آدم، وإدريس، عليهما الصلاة والسلام بأجوبة منها: أن نوحًا -عليه السلام- أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لأن في زمن آدم -عليه السلام-. لم يكن للأرض أهل، وأما إدريس -عليه السلام- فلم يثبت أنه كان قبل نوح -عليه السلام-. والله أعلم.]]، فلذلك قال: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وهذا قول الكلبي، قال: يعني نوحًا وما جاءهم من خبر الرسل [["تنوير المقباس" ص 303، بمعناه.]]، قال: وجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما تقول للرجل الذي ينفق الدرهم الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم؛ أي: ممن نفقته من هذا الجنس. وفلان يركب الدوابَّ وإن لم يكن يركب إلا دابَّة واحدة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 68، بنصه قال السمرقندي 2/ 461: يعني نوحًا وحده، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: 51] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة.]]. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل؛ لأنهما قالا في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحًا وحده [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وأيد هذا القرطبي 13/ 31، فقال: لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده. وذكر الطوسي 7/ 490، وجهاً غريباً في الآية، فقال: وقيل: المعني نوحاً، والرسل من الملائكة.]]. قوله: ﴿أَغرَقنَاهُمْ﴾ أي: بالطوفان [["تنوير المقباس" ص 303. و"تفسير الطبري" 19/ 13. وهذا إغراق عام، لم ينج منه سوى أصحاب السفينة فقط. "تفسير ابن كثير" 6/ 111.]]. قال الكلبي: أمطر الله عليهم من السماء أربعين يومًا، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فصارت الأرض بحرًا واحداً [[هذا التحديد لم أجد له دليلاً، فالماء قد فجره الله من تحتهم، وأنزله من فوقهم ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر 11 - 12].]]. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ أي: لِمن بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة [["تنوير المقباس" ص 303. و"تفسير مقاتل" ص 45 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2694، عن الربيع بن أنس. وفيه: عبرة ومتفكر.]]، ودلالة على قدرتنا [[قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 11 - 12].]]. قال ابن عباس: وهذا كله تعزيه للنبى -ﷺ- وتخويف للمشركين [["الوسيط" 3/ 340، بنصه.]]. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: سوى ما حل بهم في الدنيا [["تفسير الطبري" 19/ 13. بمعناه. قال القرطبي 13/ 31: أي: للمشركين من قوم نوح ... وقيل: أي: هذه سبيلي في كل ظالم. وعلى هذا يكون المراد بالظالمين قوم نوح -ﷺ- وهذا محتمل، كما قال الرازي 24/ 81، واقتصر عليه البرسوي 6/ 211. إلا أن ظاهر الآية أعم من ذلك، فأعتدنا لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذاباً أليماً. ولم يذكر البقاعي 13/ 386، غير هذا، وكذا المراغي 19/ 17، ويشهد له قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- في قصة قوم لوط -ﷺ-: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83] وهذا أقرب لتحذير المشركين وتخويفهم. والله أعلم. وذكر ابن أبي حاتم 8/ 2694، من طريق الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن: الظالمين، الكافرين. وذكر ابن جزي 484 القولين دون ترجيح، وكذا البيضاوي 2/ 141. والشوكاني 4/ 73. والعذاب في الآية الأخروي؛ إن كان المراد بالظالمين قوم نوح؛ لأنه سبق الإخبار عن عذابهم في الدنيا. ويحتمل العذاب الدنيوي والأخروي؛ إن كان المراد بهم عموم الظالمين. "تفسير أبي السعود" 6/ 218.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب