الباحث القرآني

قوله تعالى ﴿وَالَّتِي﴾: يعني مريم بنت عمران. ﴿وَالَّتِي﴾ في محل النصب بالعطف على ما قبلها [[أو ينتصب بإضمار اذكر. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 78، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 481، "الدر المصون" 8/ 194.]]. ﴿أَحْصَنَتْ﴾ أحرزت ومنعت عن الفساد. ﴿فَرْجَهَا﴾ ذكر الفراء والزجاج أنه يعني: جيبها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]]. قال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 210.]]. وهذا محتمل؛ لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ولذلك [[في (ت): (وكذلك).]] يقال [لما بين قوائم الدابة: الفروج. ومنه قوله: تَسُدُّ به فرجها من دبر [[هذا عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: لها ذنبٌ مثل "ذيل العروس" وهو في "ديوانه" ص 164، "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 45 (فرج)، "مقاييس اللغة" لابن فارس 4/ 499، (فرج) "لسان العرب" 2/ 342 (فرج)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 143 (فرج). وهذا البيت من قصيدة قالها امرؤ القيس بعد قتله لثعلبة بن مالك، ويصف فرسه التي ركبها عند قتاله له ..]]. أراد ما بين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]] فخذيها ورجليها [[من قوله كل في جه إلى هنا في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 44 - 45 (فرج) منسوبًا إلى الليث- وهو في "العين" 6/ 109 (فرج) إلى قوله فهو فرج. وانظر المراجع اللغوية المتقدمة في تخريج البيت.]]. وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج. وهذا أبلغ في الثناء عليها من أن يجعل فرجها بمعنى الفرج المعروف للنساء؛ لأنها إذا منعت حبيب يرعها فهي لنفسها أمنع وأشد إحصانًا. وقد قيل: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظت فرج نفسها [[نسب ابن عطية في "تفسيره" 10/ 201 هذا القول إلى الجمهور. وقال الطبري 17/ 84: والذي هو أولى القولين -عندنا بتأويل ذلك- قول من قال: أحصنت فرجها من الفاحشة؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام. وقال ابن عطية 10/ 201: وهو ظاهر القرآن. وقال عن القول الأول إنَّه ضعيف. وما اختاره الطبري وابن عطية ذهب إليه أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 17/ 262، واستظهره أبو حيان في "البحر" 6/ 336 واستشهد عليه بقولها ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20].]]. وقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ قال المفسرون: أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 43 أ. بنصه.]]. وعلى هذا المراد: فنفخنا في درعها. فحذف المضاف [[يرد هذا قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. قال أبو العباس بن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 17/ 262: وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في حبيب درعها، والجيب هو الطوق الذي في العنق .. ، وذكر أبو الفرج وغيره قولين: هل كانت النفخة في حبيب الدرع أو في الفرج؟ فإن من قال بالأول قال: في فرج درعها، وأن من قال: هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها، وهذا ليس بشيء، بل هو عدول عن صريح القرآن. وهذا النقل إن كان ثابتًا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتاً لم يلتفت إليه، فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع فمراده أنه -عليه السلام- لم == يكشف بدنها ... ، فنفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها. والمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله في آيتين، وإلا فإن النفخ في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف. أهـ.]] ويجوز أن يكون المراد في نفسها. والمعنى: وأجرينا [[في (د)، (ع): (فأجرينا).]] فيها روح المسيح كما تجري الربح بالنفخ، وذلك أن الله تعالى أجرى فيها روح عيسى بنفخ جبريل، وأحدث بذلك النفخ المسيح في رحمها [[هذا قول الثعلبي 3/ 43 أ. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 469 مختصرًا، وابن الجوزي 5/ 385 من غير نسبة.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ يريد من روح عيسى. وأضاف الروح إليه إضافة الملك على معنى التشريف والتخصيص [[وفيه وجه آخر ذكره الزمخشري 2/ 583 وأبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 17/ 263. وأبو حيان في "البحر" 6/ 336 والألوسي في "روح المعاني" 17/ 88 وهو أن الروح هنا جبريل كما قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17]. قال أبو العباس ابن تيمية: فقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أو ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: من هذا الروح الذي هو جبريل، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من الله بهذا الاعتبار، و (من) لابتداء الغاية. وقال: ولهذا قيل في المسيح ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ باعتبار هذا النفخ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج، والكسائي: وحد الآية بعد ذكرهما جميعًا لمّا كان شأنهما واحدًا، وكانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 210، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 404. وقال السمين الحلبي 8/ 195 - بعد ذكره لهذا الوجه: أو نقول: إنه حذف من الأول لدلالة الثاني أو بالعكس، أي: وجعلنا ابن مريم آية، وأمه كذلك. وهو نظير الحذف في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62].]]. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية وذلك أنه لم يكن امرأة وَلَدْت بلا رجل، ولا رجل وُلِدَ بلا ذكر غير عيسى وأمه. هذا كلامه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 204.]]. والمعني: أن الآية فيهما واحدة وهي كون عيسى من غير أب وولادة أمه من غير ذكر. ومعنى كونهما آية للعالمين ما ظهر فيهما من التي دلت على قدرة الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب