الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾ الآية. لا تجزي معناه: لا تقضي ولا يغني [[كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) بدون إعجمام، وفي "الوسيط": (لا يقضي ولا يغني) وفي الحاشية قال: في (أ)، (ب): (لا تقضي ولا تعني) 1/ 99، وفي "تفسير الطبري": (لا تقضي ولا تغني)،1/ 266، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.]]، ومنه قوله ﷺ لأبي بردة بن نِيَار [[هو أبو بُردة بن نِيَار بن عمرو الأنصاري، من حلفاء الأوس، صحابي جليل شهد العقبة وبدرا والمشاهد النبوية الأخرى، توفي سنة اثنتين وأربعين، انظر "طبقات ابن سعد" 3/ 451، "الإصابة" 4/ 18، 3/ 596، "سير أعلام النبلاء" 2/ 35.]]: (ولا تجزي عن أحد بعدك) [[قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي ﷺ أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة == مواضع، فأورده (955) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و (965) باب (الخطبة بعد العيد)، و (968) باب: (التبكير إلى العيد)، و (983) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و (5545) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و (5556) باب (قول النبي ﷺ لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و (5560) باب (الذبح بعد الصلاة). و (5563) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (1961) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (2800) كتاب: (الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في "مسنده" 4/ 282، 298، 303 كلهم عن البراء.]]، معناه: ولا تقضي [[ذكره أبو عبيد عن الأصمعي. "غريب الحديث" 1/ 43، وانظر: "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601.]]، ومنه أيضا ما روي (أن رجلا كان يداين للناس، وكان له كاتب ومتجاز، وكان يقول له: إذا رأيت الرجل معسرا فأنظره، فغفر الله له [[الحديث بهذا النص ذكره أبو عبيد في الغريب قال: (ومنه حديث يروى عن عبيد ابن عمير: (أن رجلا كان يداين الناس ..) الحديث. "غريب الحديث" 1/ 43. ولم أجده بهذا اللفظ، وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" (2078) كتاب البيوع باب (من أنظر معسرًا)، وأخرج مسلم (1562) كتاب (البيع)، باب (فضل إنظار المعسر). ذكره الألباني في "صحيح الجامع الصغير" "وزيادته" (4454).]]، فالمتجازي: المتقاضي [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 43، "الصحاح" (جزى) 6/ 2302.]]. ومنه الجزية، لأن معناها في كلام العرب: الخراج المجعول على الذمي، سمي جزية لأنها قضاء منه [["تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 602.]]. قال أهل [[في (ب): (وقال) و (أهل) ساقط.]] العربية: وأصل هذا الحرف من الجزاء الذي هو المكافأة، ومقابلة الشيء بالشيء، فيجزي بمعنى: يكفى، لأنه يقابل فيه الشىء بمقداره [[قال الأزهري: (وبعض الفقهاء يقول: أجزى عنك بمعنى جزى، أي: قضى. وأهل اللغة يقولون: أجزأ بالهمز، وهو عندهم بمعنى: كفى "تهذيب اللغة" (جزى) 1/ 601، وانظر: "الصحاح" (جزى) 6/ 2302، "اللسان" (جزى) 2/ 621، قال الطبري في "تفسيره": (وأصل (الجزاء) في (كلام العرب): القضاء والتعويض .. ، وقال قوم من أهل العلم بلغة العرب: (يقال: أجزيت عنه كذا): إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل (جزيت عنك): قضيت عنك، و (أجزيت): كفيت، وقال آخرون منهم: (بل هما بمعنى واحد ..) وزعم آخرون أن (جزى) بلا همز: قضى. و (أجزأ) بالهمز: كافأ. "تفسير الطبري" 1/ 226، وانظر. "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 38 - 39.]]. ومعنى (لا تجزي نفس عن نفس) أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها [[قال ابن جرير في "تفسيره": (واتقوا يومًا لا تقضي نفس عن نفس شيئًا ولا تغني عنها عنى) الطبري في "تفسيره" 1/ 266، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 282، و"تفسير البغوي" 1/ 90، و"تفسير الرازي" 3/ 54، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95.]]. وموضع (لا تجزي) نصب، لأنه صفة ليوم [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 44، "البيان" 1/ 80، "الإملاء" 1/ 35، وقال النحاس: قوله: (لا تجزى) في موضع نصب عند البصريين على نعت لليوم، وعند الكوفيين صلة. "إعراب القرآن" 1/ 171.]]. والعائد على اليوم محذوف من الآية، واختلف النحويون فيه، فقال الفراء [[انظر "معاني القرآن" الفراء 1/ 31.]]: التأويل: (لا تجزي فيه نفس عن نفس) ثم حذفت الصفة [[مراده بالصفة حرف الجر، كما هو في اصطلاح الكوفيين، وهو هنا (في) المتصل == بالضمير العائد على اليوم. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 31، "الحجة" لأبي علي 2/ 44، 45.]]، ومثله قوله: {وَأَنذِرْهُم يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} [غافر: 18] والمعنى: ما للظالمين فيه من حميم [[انظر: "الحجة" 2/ 45.]]، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: 41] أي: فيه، وهذا أيضا مذهب سيبويه [[وهو مذهب البصريين وجماعة من الكوفيين، انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، "المشكل" لمكي 1/ 44، "تفسير ابن عطية" 1/ 282، "البحر" 1/ 189، 190، قال أبو حيان. والوجهان يعني تقديره: لا تجزى فيه ولا تجزيه، جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج، انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 321 - 322.]]. وكان الكسائي لا يجيز إضمار الصفة، ويقول: إن المحذوف هاهنا [[في (ج): (هنا).]] (الهاء) وتقديره كأنك قلت: (واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس) فجعل اليوم مفعولا على السعة، ثم ألقيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلاً أحبّ، تريد (أحبه) [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، والزجاج 1/ 98، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، "تفسير الطبري" 1/ 265، و"البيان" 1/ 80، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 190.]] وينشد على هذا [[في (ب): (على هذا قال).]]: قَدْ صبَّحَتْ صَبحَهَا السَّلاَمُ ... بِكَبِدٍ خَاَلطَهَا السَّنَامُ في ساعة يُحَبُّهَا الطَعَامُ [[الرجز لم ينسب، والرواية في جميع المصادر (سنام)، ومعنى: (صبحت): أتت بالصبوح، واستعمله في الطعام الذي أتته به مجازا، ويدعوا لها بالخير: (صبحها السلام)، لأنها أتته به على حاجة شديدة للطعام. ورد الزجر في "معاني القرآن" == للفراء 1/ 32، و"تفسير الطبري" 1/ 265، "الكامل" 1/ 34، "الحجة" لأبي علي 2/ 45، "المخصص" 12/ 243، 14/ 75.]] يعني يُحَبُّ فيها، فجعل الظرف مفعولا على السعة، وهذا أيضا مذهب الأخفش [[مذهب الأخفش جواز الوجهين كما سبق، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258 - 260.]]. قال الكسائي: ولو أجزت إضمار الصفة هاهنا لأجزت: أنت الذي كلمت، وأنا أريد: كلمت فيه، وهذا رجل قصدت، وأنا أريد: إليه، وهذا رجل أرغب، وأنا أريد: فيه، ولم يجز إضمار حرف الصفة في هذه المواضع كذلك في الآية [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 260، و"معاني الفراء" 1/ 32، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 171، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، و"البحر" 1/ 190.]]. قال الفراء والزجاج وجماعة النحويين: لا يلزم ما ذكره الكسائي، لأن الصفة مع الظروف جائزة الحذف، ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم الخميس [وفي يوم الخميس] [[(وفي يوم الخميس) ساقط من (أ)، (ج) والواو من قوله: (وفي) ساقطة من (ب) وثوبتها يقتضيه السياق، الجملة بهذا النص في "معاني القرآن" للفراء 1/ 32.]] فيكون المعنى واحد، وإذا قلت: كلمتك، كان غير معنى كلمت فيك، فلما اختلف المعنى مع الأسماء التي لا تكون ظروفا لم يجز إضمار الصفة معها. و (اليوم) من أسماء الزمان، وأسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 32، و"معاني الأخفش" 1/ 260، و"معاني الزجاج" 1/ 99.]]. قال أبو علي [[نقل الواحدي عن "الإغفال" ص 174 (رسالة ماجستير).]]: الظروف نوع من أنواع المفعولات المنتصبة عن تمام الكلام، وهو زمان أو مكان [[في "الإغفال": (أو مشبه بهما) ص 174.]]. فأما أسماء الزمان: فالفعل يتعدى إلى مختصه ومبهمه ومعرفته ونكرته وكل نوع منه، كما يتعدى إلى المصدر، وكل ضرب منه. وإنما كان كذلك لاجتماعهما [[في (أ)، (ج): (لاجتماعها) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب وموافق لما في "الإغفال" ص 174.]] في دلالة الفعل عليهما. ألا ترى أن في لفظ [[في (ب) تكرار ونصها: (ألا ترى أن لفظ الفعل دلالة الفعل عليهما ألا ترى أن في لفظ الفعل دلالة على الزمان ..).]] الفعل دلالة على الزمان كما أن في لفظه دلالة على الحدث. وأما أسماء المكان فإن الفعل يتعدى إلى المبهم منها بغير حرف الجر دون [[(دون) ساقط من (ب).]] المختص [[ذكر كلام أبي علي بمعناه. "الإغفال" ص 175، وانظر: "الكتاب" 1/ 412 - 417.]]. ومعنى المبهم منها ما كان شائعاً ولم يكن له حدود معلومة نحو: خلف وقدام وسائر الجهات الست، وعند. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها، كما للمسجد والسوق [[نص كلام أبي علي: (.. ألا ترى أنه لا حدود لهذه المسميات تقف عندها فتحصرها بها، كما تحصر بها المختصة منها نحو: المسجد والسوق ..) "الإغفال" ص 174، وكلامه أوضح من عبارة الواحدي.]] والبيت وبغداد والبصرة، تقول: (قمت خلفك) فتعدي إليه الفعل، و (قمت في المسجد)، ولا تقول: (قمت المسجد)، وإنما كان كذلك لأن الفعل لا يدل على ظروف المكان بلفظه وإنما يدل عليها بالمعنى كما يدل على المفعول، والمفعول إذا تعدى الفعل إليه بحرف جر لا يجوز حذف حرف الجر منه إلا أن يسمع ذلك من العرب [["الإغفال" ص 174 - 175، نقل كلامه بالمعنى.]]. ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، ولا يجوز أن تقول: مررت زيداً [[في (ب): (مزيدا).]]، فكذلك كان القياس في جميع ظروف المكان أن يتعدى الفعل إليها [[(اليها) ساقط من (ب).]] بحرف الجر، إلا أن المبهمة جاز حذف الجر منها، لأنها قد أشبهت ظروف الزمان، وذلك أنه ليس لها خلق [[أي ليس لها مدلول محسوس وحيز وهيئة، إنما مدلولها معنوي، كالقدام والخلف، وهذه العبارة لم ترد في "الإغفال".]] كما أن الزمان لا خلقة له، فباين ظروف المكان بعضها بعضا [[في (أ)، (ج): (بعضها بعضها) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، المراد أن ظروف المكان تختلف، فظروف المكان غير المختصة لها حكم ظروف الزمان، بخلاف ظروف المكان المختصة غير المبهمة فلا يتعدى الفعل إليها إلا بحرف الجر.]]. فالخلف والقدام وهذه المبهمة يجوز أن تنقلب كلها فيصير الخلف قداما، والقدام خلفا، كما يجوز أن ينقلب ظرف [[في (ب): (تنقلب ظروف).]] الزمان فيصير اليوم أمس. فلما شبهت المبهمة من ظروف المكان بظروف الزمان عَدَّوْا إليها الفعل من غير توسط حرف الجر. وأما المختصة كالدار والبيت والمسجد فلها خلق [[في (ج): (حلف).]] كزيد وعمرو، ألا ترى أنه لا يسمى كل بقعة مسجدا ولا دارا، فلما جرت هذه الظروف مجرى زيد وعمرو، وجب أن لا يعدى الفعل إليها إلا [[في (ب): (اليها لا).]] بحرف جر، فأما قولهم: (ذهبت الشام) يريدون إلى الشام، فهو شاذ عند سيبويه، وقولهم: (دخلت البيت) فهو - أيضا شاذ عنده [[انظر: "الكتاب" 1/ 414.]]. وهو عند أصحابه مفعول به، لأنه ظرف صير مفعولا، فهو عندهم بمنزلة: هدمت البيت [[انظر: "الإغفال" ص 175 - 176، نقل الكلام بمعناه.]]. قال أبو علي [["الإغفال" ص 176.]]: والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن (اليوم) جعل [[(جعل) ساقط من (ب).]] مفعول (تجزي) على السعة، كقول الشاعر: وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ [[في (ج): (شهدنا).]] سُلَيْماً وَعَامِرًا [[البيت لم يرد ضمن كلام أبي علي في هذا الموضع، وإنما ورد في كلام أبي إسحاق الزجاج، الذي نقله أبو علي، واستدرك عليه، انظر: "الإغفال" ص 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 98، والبيت من (شواهد سيبويه) 1/ 178، وورد في "المقتضب" 3/ 105، "الكامل" 1/ 33، "مغني اللبيب" 2/ 503، "شرح المفصل" 2/ 46، "همع الهوامع" 3/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 321، وقد نسبه سيبويه لرجل من بني عامر، وعجزه: قَلِيلٍ سِوى الطَّعْنِ النِّهَال نَوَافِلُه == ويروي البيت (يوما) و (يوم) مجرور برب المحذوفة، وسُلَيْم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، وقليل: مجرورة صفة ليوم، والنِّهال: المرتوية بالدم، والنوافل: الغنائم. والشاهد فيه نصب ضمير العائد على (يوم) بالفعل على التشبيه بالمفعول به اتساعًا ومجازًا.]] ثم حذفت (الهاء) من الصفة كما تحذف من الصلة، وحذف (الهاء) من الصفة كحذفها [[في (أ)، (ب): (لحذفها) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الصواب، وأقرب إلى عبارة أبي علي في "الإغفال" ونص كلامه: (والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية قول من قال: إن اليوم جعل مفعولًا على السعة ثم حذفت الهاء من الصفة، كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة والقياس كحذفها منها. أما القياس فلأن الصفة تخصص الموصوف ..) ص 176.]] من الصلة، وذلك أن الصفة تخصص الموصوف كما أن الصلة تخصص الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة [[في (ج): (كما أن الصلة تكون كذلك).]] كذلك، وتتضمن الصفة ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها، فشدة مشابهتهما على [[في (ج): (مشابهتها كما تراه).]] ما تراه. وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد، كقولك: (الذي رأيت زيد) والصفة كالصلة على ما ذكرنا من المشابهة، وإذا [قال] [[كذا وردت في جميع النسخ، وهو تصحيف والنص في "الإغفال" (فإذا كان كذلك) ص 177، وهذا هو الصواب.]] كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة. فإن قال قائل: إذا جاز حذف الضمير المتصل من الصفة في نحو قولك: (هذا رجل ضربت)، و (الناس رجلان: رجل أكرمت ورجل أهنت) فلم لا يجوز حذف الجار والمجرور من حيث جاز حذف الهاء؟ قيل: إنما جاز حذف الضمير المتصل من الصفة [[في (ب): (الصلة).]] لمشابهتها الصلة، وقد كثر حذف ذلك في الصلة وحسن، فلما كثر ذلك في الصلة وشابهتها الصفة شبهت بها أيضًا في حذف الضمير منها. ولا اختلاف بين الجميع [[في (ب): (الجمع). وفي "الإغفال": (.. بين الجميع من البصريين ..) ص 178.]] في أن الضمير إذا خرج عن الفعل إلى الحرف فلم يتصل به لم يحذف من الصلة، فمن قال: (الذي ضربت زيد) لم يقل: (الذي رغبت زيد)، ولا (الذي مررت زيد) [[في (ج): (زيدا).]]، إذا أراد (فيه) و (به) وإذا لم يجز ذلك في الأصل الذي هو الصلة المشبه به الصفة، كان في الصفة أبعد من الجواز [[أنتهى ما نقله عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 174 - 178. (رسالة ماجستير) وقد نقل الواحدي كلام أبي علي بتصرف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. قبول الشيء: تلقيه، والأخذ به، وخلاف الإعراض عنه [[بنصه في "الحجة" لأبي علي 2/ 46.]]. اللحياني: يقال [[في (ب): (يقول).]]: قبلت الشيء أَقْبلَه قَبُولاً وقُبُولاً، وعلى فلان قَبُول، أي تقبله العين [[في (ج): (ليس).]]، ومثل ذلك قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2875.]]. وقوله: ﴿شَفَاعَةٌ﴾ قال المبرد وثعلب: الشفاعة: كلام الشفيع الملك [[كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة"، و"اللسان": (للملك).]] في حاجة يسألها لغيره [["تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1897، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2289.]]. وهو من الشفع الذي هو خلاف الوتر، وكأنه سؤال من الشفيع يشفع سؤال المشفوع له [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 267، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، "اللسان" (شفع) 4/ 2289.]]. قال أحمد بن يحيى: الشفعة [[في (ج): (الشفاعة).]] من هذا، ومعناها في اللغة كالزيادة، وهو أن يُشَفِّعَك فيما تطلب [[في (ج): (يطلب).]] حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده [[في (ج): (فتزيده بها).]] وتشفعه بها، أي أنه كان وترا فضم إليه ما زاده وشفعه به [["تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898، وفيه: (قال المنذري وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة: الزيادة ..)، وانظر: "اللسان" (شفع) 4/ 2290.]]. ومن هذا يقال: شاة [[قوله: (يقال شاة) ساقط من (ب).]] شافع، إذا كان معها ولدها [[ذكره أبو عبيدة في "غريب الحديث" 1/ 257، وذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" (شفع) 2/ 1898.]]. قال أصحاب المعاني: ليس معنى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أن هناك [[في (ب): (وأن هناك).]] شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون [[في (ب): (تكون) ومثله في "الحجة" لأبي علي 2/ 47.]] شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف [[نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 46، 47، - ولم أجده عن أحد من أهل (المعاني) فيما اطلعت عليه وظاهر كلام أبي علي نفي أصل الشفاعة، حيث قال == بعده فأما قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: 26]، فالمعنى لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة ..) "الحجة" 2/ 48. ونفى أصل الشفاعة هو مذهب المعتزلة، كما قرره الزمخشري في "الكشاف" في تفسير هذه الآية، ورد عليه أحمد بن محمد بن المنير في كتاب "الإنصاف" في "حاشية الكشاف" 1/ 278. ومعنى الآية عند الجمهور: أنه وإن كان ظاهرها العموم فهي مخصوصة بمن مات على كفره غير تائب. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير البغوي" 1/ 900، و"تفسير ابن كثير" 1/ 95. ولم ينبه الواحدي على كلام أبي علي الموهم لنفي الشفاعة، مع أن الواحدي ذكر المعنى الصحيح في الآية في موضع آخر كما سيأتي.]]، ويقول امرؤ القيس: عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدى لِمَنَارِه ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا [[يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس" (النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاَحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في "تهذيب اللغة" (لحف) 2/ 1598، (ساف) 2/ 1132، (داف) "الحجة" 2/ 47، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 165، 321، "مقاييس اللغة" 2/ 318، "اللسان" (ديف) 3/ 1466، (سوف) 4/ 2153، "الخزانة" 10/ 258، "ديوان امرئ القيس" ص 64.]] أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا-: وَلاَ تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ [[عجز بيت نسبه بعضهم لعمرو بن أحمر وصدره: لاَ يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 146، 321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47.]] أي ليس هناك (ضب) فيكون منه [[في (ب): (هناك).]] انجحار. وقرئ قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع بالياء، وروى الوجهان عن عاصم. انظر "السبعة" ص 155، "الحجة" 2/ 43، "التيسير" ص 73.]]، فمن قرأ بالتاء قال: الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنث، فيلزم أن يلحق المسند [[في (ج): (بالمسند).]] أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة [[في (ب): (علامة لحاق).]] بتأنيث الاسم. ومما يقوي هذا أن كثيرا من العرب إذا أسند الفعل إلى المثنى أو المجموع ألحقوه علامة التثنية والجمع [[هذا على اللغة المعروفة بلغة (أكلوني البراغيث) وهي لغة قليلة مشهورة. انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 2/ 47 - 48.]]، كقوله: أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ القَفَا [[شطر البيت من قصيدة لعمرو بن ملقط، أوردها أبو زيد، وعجزه: أوْلَى فَأوْلَى لَكَ ذَا وَاقِيَةْ وأورد صاحب "الخزانة" وشرحها. قوله: (اولى لك): كلمة وعيد وتهديد، و (الواقية): مصدرها بمعنى الوقاية، يصفه بالهروب، ويقول أنت ذو وقاية من عينك عند فرارك تحترس بهما، ولكثرة تلفتك حينئذٍ، صارت عيناك كأنهما في قفاك. انظر: "النوادر" ص 268، "الحجة" 2/ 51، "مجمل اللغة" 1/ 483، "الخزانة" 9/ 31. والشاهد لحاق ألف التثنية في قوله: (الفيتا).]] وقول آخر: ... يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أَقَارِبُهْ [[قطعة من بيت من قصيدة للفرزدق يهجو عمرو بن عفراء الضبي، وتمامه: ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوهُ وَأُمُّهُ ... بِخَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيَط أقَارِبُهْ يقول: هو قروي من (دياف) قرية بالشام يعتمل لإقامة عيشه، وليس كما عليه == العرب من الانتجاع والحرب، و"السليط": الزيت. ورد البيت في "الكتاب" 2/ 40، "وشرح أبياته للسيرافي" 1/ 491، "الخصائص" 2/ 194، "الحجة" 1/ 132، 2/ 52، "الخزانة" 5/ 163، 234، 235، 237، 239، 7/ 346، 446، 11/ 373، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "الهمع" 2/ 257، "اللسان" (سلط) 4/ 2065، (ديف) 3/ 1466، "ديوان الفرزدق" 1/ 46. والشاهد: لحاق نون الجمع في قوله (يعصرن).]] فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل لتؤذن بما في الاسم منه، وكان لحاق هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث [[في (ج): (الفعل الاسم).]] الاسم، وانتقاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، لأنه إذا وحد [[في (ب): (وجدو).]] زالت علامة التثنية والجمع. ولا يتوهم سقوط الهاء من الشفاعة [[فإذا لزمت علامة التأنيث في الاسم يحسن إلحاقه الفعل. "الحجة" 2/ 52.]]، وبحسب لزوم المعنى تلزم [[(أ)، (ج): (يلزم)، وما في (ب) موافق للحجة.]] علامته [[من "الحجة" لأبي علي بنصه 2/ 51، 52، وانظر: "الحجة" لابن خالويه ص 76، "الحجة" لابن زنجلة ص 95، "الكشف" لمكي 1/ 238.]]. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة [[في (ب): (الشفيع).]] والتشفع بمنزلة [[أي: أن تأنيث الشفاعة ليس حقيقيًّا، فلفظ (الشفاعة) وهو مؤنث مثل لفظ (التشفع) وهو مذكر. انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 95.]]، كما أن الموعظة والوعظ، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال: {فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: 275]، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67] فكما لم يُلحق [[في "الحجة": (لم تلحق) 2/ 52. وهو الأولى.]] العلامة هاهنا كذلك يحسن أن لا تُلحق [[في (أ)، (ب): (يلحق) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق لما في "الحجة".]] في هذه الآية. ومما يقوي التذكير أنه فصل بين الفعل والاسم، والتذكير يحسن مع الفصل كما حكي من قولهم: (حضر القاضي اليوم [[(اليوم) ساقط من (ب).]] امرأة)، فإذا جاء التذكير في [[في (ب): (يحسن في الحقيقي).]] الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك [[كذا بنصه من "الحجة" 2/ 52، 53، وذكر هذه الحجج ابن خالويه ص 76 وابن زنجلة ص 95، ومكي في "الكشف" 1/ 238، وذكر مكي أربع علل وهي داخلة فيما ذكر أبو علي، والرابعة ما روي عن ابن مسعود: ذكروا القرآن. وهذه العلة ذكرها أبو علي، ثم ردها كما سيأتي.]]. قال أبو علي [[(الحجة) لأبي علي 2/ 53.]]: فأما ما قاله أحمد بن يحيى من أن التذكير أجود، لقول ابن مسعود (ذَكِّروُا القرآن) [[ذكره مكي في "الكشف" قال: ذكر أبو عبيد عن ابن مسعود أنه قال (ذَكِّروا القرآن، وإذا اختلفتم ... إلخ فاجعلوها ياء)، وذكر أن هذه اللفظة: وإذا اختلفتم .. إلخ رواية عن ابن عباس. "الكشف" 1/ 238، وذكر ابن خالويه: وإذا اختلفتم .. إلخ عن ابن مسعود. "الحجة" ص 76. وذكره في (الفائق) بلفظ في الحديث (القرآن ذكر فذكروه) ولم يعزه. "الفائق" 2/ 13، وفي "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه: (القرآن ذكر فذكروه) أي أنه جليل خطير فأجلوه. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 163.]] لا يجوز حمله على تذكير التأنيث، لأنه لا يخلو إما أن أراد تذكير [[في (ب): (أراد بتذكير).]] التأنيث الحقيقي أو غير الحقيقي [[نص كلام أبي علي في "الحجة": (لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد معنى غير ذلك. فإن أراد به خلاف التأنيث فليس يخلو من أن يريد: ذكروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي أو التأنيث الذي هو حقيقي .. 2/ 53.]]. ولا يجوز أن يريد تذكير الذي هو غير الحقيقي، لأن ذلك قد جاء في القرآن ما لا يحصى كثرة، كقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [[في (ج): (والدار) وهي آية الأعراف: 169.]] [الأنعام: 32] و ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ [الحج: 72]، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾ [القيامة: 29]، و ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ [إبراهيم: 10]، و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7]، و ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: 10] فإذا [[في (ب): (وإذا).]] كان هذا النحو على الكثرة التي تراها، فلا يجوز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد هذا كان إرادة تذكير التأنيث الحقيقي أبعد، كقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 35]، وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: 12]، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ﴾ [القصص: 11]. فإن قلت: إنما يريد: [إذا] [[(إذا) ساقطة من كل النسخ وأثبتها كما في "الحجة" لاقتضاء السياق لها والنص في "الحجة": (فإن قلت: إنما يريد: إذا احتمل) 2/ 54.]] احتمل الشيء التذكير والتأنيث، فاستعملوا التذكير وغلبوه. قيل هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ و ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ فأنث مع جواز التذكير فيه، يدل على ذلك في الأخرى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: 20]، وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: 80] ولم يقل الخضر [[في (أ)، (ج): (والخضراء) وأثبت ما في (ب) لأنه أولى، وفي "الحجة": (الخضر ولا الخضراء) 2/ 45.]] أو الخضراء، فهذه المواضع يعلم منها أن ما ذكر ليس بمراد ولا مذهب، فإذا لم يصح أن يريد به تذكير التأنيث كان معنى غيره. فمما [[في (ب): (فما لا يجوز).]] يجوز أن يصرف إليه، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه كما قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: 45] إلا أنه [[في (ب): (أن).]] حذف الجار [[وهذا قريب من المعنى الذي ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" قال: وفيه القرآن ذَكَر فذكروه (أي: أنه جليل خطير فأجلّوه) 2/ 163.]]. أو [[في (ب): (وأراد).]] أراد: ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه [[وهذا المعنى (ذكروا الناس القرآن، أي: ابعثوهم على حفظه) غير موجود في "الحجة"، ولعله سقط من المطبوع لأن الكلام يدل عليه، 2/ 55.]]. ويمكن أن يكون المعنى قوله: (ذكروا القرآن) لا تجحدوه ولا تنكروه [[في (ب): (لا يجحدوه ولا ينكروه).]]، كما أنكره من قال: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [[الأنعام: 25، والأنفال: 31، والنحل: 24، والمؤمنون: 83، والفرقان: 5، والنمل: 68، الأحقاف: 17، والقلم: 15، والمطففين: 13.]] لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث فهؤلاء لم يُذَكِّروه لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث، وما كان مؤنث [[في (أ)، (ج): (يؤنث) وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى، والنص فى "الحجة": (.. لكنهم أنثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ كقوله ..) 2/ 55.]] اللفظ عليه، وهذا كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: 117]، فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به ما اتخذوه آلهة، كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم:19، 20] وقال [[في (ب) (قال) بسقوط الواو.]] العجاج: وكُلُّ أُنثَى حمَلَتْ أَحجَارَا [[الرجز في (الحجة) وقبله: أَوْرَدَ حُذًّا تَسْبِقُ الأَبْصَاراَ. وليسا متتاليين في (الديوان) ، بل بينهما أبيات وفيها يصف المنجنيق والْحُذْ: السهام البُترْ، وكل انثى: يعنى المنجنيق، يقول: يُرْمي بالمنجنيق فيخرج الحجر من بطن الجلد، كما يبقر بطن الحامل عن الولد. ورد في "الحجة" 2/ 55، "المخصص" 13/ 189، "اللسان" (حجر) 2/ 785، "ديوان العجاج" ص 416.]] فسماها أنثى لتأنيثهم لفظها. وكذلك قول الفرزدق: وَكُنَّا إذَا الجَبَّار صَعَّر خَدَّه ... ضَرَبْنَاهُ دونَ الأنْثَيَيْنِ علَى الكَرْدِ [[رواية البيت في "ديوان الفرزدق" وبعض المصادر: وكُنَّا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق ............... "ديوان الفرزدق" 1/ 178، وله بيت آخر: وَكُنَّا إِذَا القيسى صَعَّر خَدَهُ ... ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الأَخادِعُ "الديوان" 1/ 420، ويظهر انه حصل خلط بين البيتين فكثرت الرواية فيهما. قال ابن قتيبه في "المعاني الكبير": ويروي لذي الرمة. وقوله: نب عَتُودُه: تكبر، والعَتُودُ: الجدي الذى بلغ السفاد، صعر خده: أماله كبرا. الأنثيان: شحمتا الأذن، والكَرْد: أصل العنق. انظر: "المعانى الكبير" 2/ 994، "الحجة" 2/ 56، "جمهرة اللغة" 3/ 1322، "إعراب ثلاثين سورة" ص 277،"المخصص" 1/ 82، 5/ 190، 16/ 203، "المجمل" (أنث) 1/ 104، "اللسان" 7/ 4317، (نبب) 1/ 146 (أنث) ، 7/ 3849 (كرد) ، 7/ 3961 (كون).]] أراد بالأنثيين الأذنين [[انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 2/ 53 - 56.]]. قلت: أطال أبو علي الكلام في تأويل قول ابن مسعود، وهو ما ذهب إليه أحمد بن يحيى [[أي: أن المراد بكلام ابن مسعود، التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وبهذا أخذ ابن خالويه في "الحجة" ص 76، ومكي في "الكشف" 1/ 238، ومما يرجع هذا ما ورد في الرواية عن ابن مسعود: (فإذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء).]]، وأراد ابن مسعود أنه إذا احتمل اللفظ التأنيث والتذكير، ولا يحتاج في التذكير إلى تغيير الخط ومخالفة المصحف فَذَكِّر، كقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ لست تحتاج إلى مخالفة الخط في التذكير، ويدل على أنه أراد هذا، وأن أصحاب عبد الله من قراء [[في (ب): (قر).]] الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا، فقرؤوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، كقوله: (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) [[قرأ حمزة والكسائي (بالياء)، وبقية السبعة (بالتاء). انظر: "السبعة" 454، و"الكشف" على 2/ 135، "والتسير" ص 161.]] [[في (ج): (تشهد)، وفي (أ)، (ب): (يشهد) على قراءة حمزة والكسائي.]] [النور: 24]، و ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [[قرأ حمزة والكسائي (بالتاء) وبقية السبعة (بالياء). انظر: "السبعة" ص 217، و"الكشف" 1/ 630 و"التسير" ص 91.]] [[في (ج): (تغشى) بالتاء على قراءة حمزة والكسائي.]] [آل عمران: 154] وأشباههما بالتذكير هذا الذي ذكرنا كله في التأنيث غير الحقيقي. وأما الحقيقي: فهو ما يكون منه النسل، ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير [[نقل الواحدي عن الزجاج من "معاني القرآن"، والنص في "المعاني": (وأما ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امرأة ورجل، وناقة وجمل فيصح في مؤنثه لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك، ونحر ناقتك كان قبيحًا ..) إلخ. والبقية بنصه. "المعاني" 1/ 99. وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج. وقوله: (ويقبح في مؤنثه لفظ التذكير) أي: فإنه يقبح في مؤنثه ...]]، لو قلت: قام جاريتك ونحر ناقتك، كان قبيحا، وهو جائز على قبحه، لأن الناقة والجارية تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئ بلفظهما عن تأنيث الفعل [[المشهور عند النحويين أن المؤنث الحقيقي الذي لم يفصل عن فعله بفاصل يجب تأنيث الفعل له. انظر: (شرح ابن عقيل) 2/ 88.]]. فأما الأسماء التي تقع للمذكرين [[في "المعاني" للزجاج: (للمذكرين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من علم التأنيث ..) 1/ 100، وعبارة الواحدي أوضح.]] لو سميت بها مؤنثا فلا، بد فيها من علم التأنيث، لأن الكلام للفائدة والقصد [[في (ب): (القصيدة).]] به الإبانة [[في (ج): (الاباله).]]، فلو سميت امرأة بقاسم لم يجز أن تقول: جاءني قاسم، فلا يعلم أمذكرا عنيت أم مؤنثا، وليس إلى حذف هذه التاء -إذا كانت فارقة [[في (ج): (ذار قعين).]] بين معنيين- سبيل، كما أنه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام، إلا أن تقول: قاما [[في (ب): (قد قاما).]]، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية [[في (ج): (التثنية والجمع ههنا).]] هاهنا [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 100.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. عَدْلُ [[(عدل) ساقط من (ب).]] الشيء وعِدْله: مثله [[(العَدْل)، و (العِدْل) بمعنى المثل ومعناهما سواء، وقال الفراء: (العِدْل): المثل، (والعَدْل): ما عادل الشيء من غير جنسه. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 320، و"تفسير الطبري" 1/ 269، "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، "ومعاني الزجاج" 2/ 229.]]، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، أي: ما يماثله [[في (ج): (ماماثله).]] من الصيام [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 229.]]، قال كعب بن مالك [[هو كعب بن مالك بن أبي كعب، الأنصاري الخزرجي، شاعر الرسول ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليه، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: غير ذلك، انظر: "الاستيعاب" 3/ 286، حاشية على "الإصابة"، "سير أعلام النبلاء" 2/ 523، "الجرح والتعديل" 7/ 160، "تهذيب التهذيب" 3/ 471.]]: صَبَرْنَا [[في (ج): (الا ترى).]] لاَنَرى لله عَدْلاً ... عَلَى مَانَابنَا مُتَوَكِّلِينَا [[أورد الواحدي البيت فى "الوسيط" 1/ 100، وهو من قصيدة لكعب يرد بها على ضرار بن الخطاب بن مرداس، يوم الخندق؛ أورد ابن هشام القصيدتين في "السيرة" 3/ 277.]] أي: لا نرى له مثلا. وذكر [[(وذكر) ساقط من (ب).]] في التفسير أن العدل هاهنا: (الفداء) [[ذكره الطبري 1/ 268 - 269، وابن أبي حاتم 1/ 105، وابن قتيبة في "الغريب" ص 39، والثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن كثير 1/ 95. وذكر ابن أبي حاتم عن علي وعمير بن هانئ: المراد: التطوع والفريضة، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 105، و"ابن كثير" 1/ 95.]]، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]، قال يونس: العدل الفداء [[ذكره الأزهري، قال: أخبرني ابن فهم عن محمد بن سلام عن يونس. "تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358.]] [وسمي الفداء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] عدلا، أنه يعادل المفدي ويماثله، وأصل هذا الباب المساواة والمماثلة. يقال: فلان يعدل فلانا، أي يساويه، ويقال: ما يعدلك عندنا شيء، [أي ما يقع عندنا شيء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] موقعك، ولا يساويك. والعِدْل: اسم حِمْل معدول [يحصل] [[كذا في جميع النسخ (يحصل) والصواب (يحمل) كما في "التهذيب" (عدل) 3/ 2358.]] أي: مسوى به [["تهذيب اللغة" (عدل) 3/ 2358، وانظر: "الطبري" 1/ 269، "اللسان" (عدل) 5/ 2839.]]. ونذكر ما قيل في العَدْل، والْعِدْل عند قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. قال المفسرون: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله [[ذكره الثعلبي 1/ 70 أ، والبغوي 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 77، وقال الطبري: لا ينصرهم ناصر ولا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، 1/ 269، ونحوه ذكر ابن كثير 1/ 95.]]. ومعنى (النصر) في اللغة: المعونة [[انظر: "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "الجمهرة" 2/ 744، "اللسان" (نصر) 7/ 4439.]]، وبينهما فرق، وهو أن المعونة قد تكون على صناعة النصرة لا تكون إلا مع منازعة. وانتصر بمعنى: انتقم، معناه بلغ حال النصرة [[انظر: "اللسان" (نصر) 7/ 4439.]]. قال المفسرون: نزلت [[في (ب): (هذه الآية).]] الآية في اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله عن ذلك [[ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 269، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 70 أ، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 98.]]. والآية وإن عمت في نفي [[(نفى) ساقط من (ب).]] الشفاعة فمعناها الخصوص فيمن [[في (أ)، (ج): (فمن) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.]] مات على الكفر، بدلالة الأخبار الصحيحة في الشفاعة [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 268، و"تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"تفسير أبن عطية" 1/ 283، و"تفسير البغوي" 1/ 90، "زاد المسير" 1/ 76، وهذا قول أهل السنة والجماعة في الشفاعة، بخلاف قول المعتزلة الذين ينفون الشفاعة، وقد نقل الواحدي قولهم فيما سبق وعزاه لأهل "المعاني".]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:28] وقوله: ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم: 26] [[وفي (ج): ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ وهذه آية: 23 من يس.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب