الباحث القرآني

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ... وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها [[البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" 2/ 397 مادة: ملأ.]] وأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً [[في (ش) ورؤًا.]]، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا [[ينظر في الملأَ: "تهذيب اللغة" 4/ 3437 - 3438، "المفردات" ص 474 - 475، "لسان العرب" 7/ 4252 - 4253.]]. وقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ [[في (ش) (مُلآة)، وقد كتبت الأولى والثانية في النسخ مِلآء ومُلآء.]] بما يحتاج إليه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 325 - 326، ولفظه: لأنهم مُلء بما يحتاج إليه منهم، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3438: س ملاء بما يحتاج إليه منهم.]] من قولهم: مَلُؤَ الرجل يَمْلُؤُ ملاءَةً فهو مليء [[ساقط من (ش).]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا﴾ قال قتادة: هو يوشع [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 97، والطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463، واستبعده ابن كثير 1/ 322 قال: لا هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام كما هو مصرح به في القصة. وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 352.]]. وقال السدي: هو شمعون [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463.]]. وقال سائر المفسرين: هو أشمويل [["تفسير الثعلبي" 2/ 1334، وكذا يروى عن ابن إسحاق ووهب بن منبه فيما أخرج الطبري 2/ 595.]]. وكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي [[ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335، والبغوي في "تفسيره" 1/ 296.]] ووهب [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596 - 597، وذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335.]]: أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدُوُلهم [[في (ي): عدوهم.]] فَسَبوا كثيرًا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكًا تنتظمُ به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، فقال لهم ذلك النبي: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال [["تفسيرالثعلبي" 2/ 1339.]]. وقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها [[ينظر: "السبعة" ص 186، "والنشر" 1/ 230.]]. ووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل [[ساقط من (ي).]]: حرٍ وشجٍ، فإن قالوا: يلزمه أن يقرأ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: 8] قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع [["الحجة" لأبي علي 2/ 350.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] و ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: 8]. فقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة. المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 180، وتمام كلامه: (أن) هاهنا زائدة، كما زيدت بعد (فلما) و (ولما) و (ولو) فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا، ومعناه: ما لنا لا نقاتل، فأعمل (أن) وهي زائدة كما قال: ما أتاني من أحد، فأعمل (من) وهي زائدة. انتهى كلامه. وفي "البحر المحيط" 2/ 256 رد مذهب الأخفش، ومذهب من قال: إن المعنى (ما لنا وأن نقاتل) فحذف الواو كما حكاه الطبري في "تفسيره" 2/ 600، فقال أبو حيان: وهذا ومذهب أبي الحسن ليس بشيء؛ لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف. وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 600: وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون، غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل، فلا وجه لدعوى مدّع أن (أن) زائدة معنى مفهوم صحيح.]]. وقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه: ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن [[في (ش): (أنَّ).]]، الدليل على ذلك: قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: 75]، وعلى هذا المعنى قال: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 32] [["معاني القرآن" للفراء 1/ 163 - 164.]]. وقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) [[نقله عنه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 165، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1341.]] وارتضى الزجاج هذا القولَ وصحَّحه. وقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل. أي: أيُّ غرضٍ [[في (ي): (أي: أي شيء) وفي (ش): (أي أي لنا).]] لنا في ترك القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ولكن (في) سقطت مع (أن)، وكثيرًا ما يحذف حرف الجر مع أن، وقد مضت لهذا نظائر [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 327.]]. ورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها [[من قوله: (موقعها ..) ساقط من (ش).]] متخرجًا [[في (ش): (متحركًا).]] على معنى مستقيم ولفظ مستعمل، لم يكن بنا حاجة إلى أن نقدر أنَّ معنى ما لنا: ما يمنعنا، وكأنه قال: ما يمنعنا أن نقاتل أي: ما يمنعنا من أن نقاتل [[من قوله: (أي ما ..) ساقط من (ي).]]، على أنا لا ندفع الحمل على المعنى في كثير من المواضع، ولكن لا يستحسن [[في "الإغفال": (لا نستحسن).]] ترك الظاهر والعدول عنه إلى غيره ما وجد للتأويل على الظاهر مساغ، وإذا حمل الكلام على ما ذكره الفَرَّاء ففي الكلام تقدير حرف جرٍ، كما أن في حمله على الظاهر تقديرُ حرفِ جرٍّ [[من قوله: (كما أن ..) ساقط من (ي).]]، وإذا استوتِ الحالتانِ فلزومُ الظاهرِ أعْجَبُ إلينا [[من "الإغفال" ص 537 - 540 بتصرف واختصار.]]. وعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل [[في (ي) (لا تقاتلوا).]]) في محل النصب، لوقوعه موقع الحال، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: 88] وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49]، كأنه [[في (ش): (له).]] قيل: ما لنا غير مقاتلين. وكما جاز وقوع الفعل الموجب موقع الحال في هذا النحو مثل: ما لك نفعل كذا، جاز أيضًا وقوع المنفي موقعه نحو: ما لك لا تفعل، كقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: 92] [[ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 325، "تفسير الثعلبي" 2/ 1340، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 134، "التبيان" 147،"البحر المحيط" 2/ 256.]] وأنشد أبو زيد: ما لَكَ لا تَذْكُرُ أُمَّ عَمْرِو ... إلّا لعَيْنَيْكَ غُرُوبٌ تَجْرِي [[في "النوادر" ص 65، وينظر "الإغفال" ص 539، و"المخصص" 1/ 127، و"اللسان" 6/ 3228، و"التاج" 2/ 275، قال أبو زيد: الغروب: الدموع حين تخرج، وغربا العين: مقدمها ومؤخرها.]] وذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن [[ينظر: "البحر المحيط" 2/ 256.]]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي [[هو: موسى بن جابر بن أرقم بن مسلمة أو سلمة بن عبيد الحنفي، شاعر مكثر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، من أهل اليمامة، كان نصرانيًّا يقال له: أزيرق اليمامة، ويعرف بابن الفريعة. ينظر: "النجوم الزاهرة" 2/ 231، "الأعلام" 7/ 320.]]: ذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ... تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا [[البيت ذكر في "ديوان الحماسة" 1/ 140.]] والذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر [[في (ي): (القهر والسبي).]] على نواحيهم [["تفسير الثعلبي" 2/ 1342، "تفسير البغوي" 1/ 297.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا بالسبي والقتل. ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا [[في (ي): (مالا).]] يظهر علينا عدو، فأما [[في (م): (فلما).]] إذْ [[في (ي) و (ش): (إذا).]] بَلَغَ ذلك منا فلابُدَّ من الجهاد، فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا [["تفسير الثعلبي" 2/ 1342 - 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297.]]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهر، ويأتي [[في (ي) (وسيأتي).]] ذكرهم بعد هذا [["تفسير الثعلبي" 2/ 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297.]]. قال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي ﷺ في القتال [[لعله من الرواية التي تقدم ذكرها في قسم الدراسة.]]، فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ يريد: المشركين والمنافقين [[في (ي): (بالمشركين والمنافقين).]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب