الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 322، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323.]]. وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي ﷺ صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا. قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب [[في (ش) و (ي): (هذا تبين تعجيب).]] وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله [["تفسير غريب القرآن" ص 84، "تفسير الثعلبي" 2/ 1307، "تفسير البغوي" 1/ 294.]]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان [[قرية في نواحى شرقي واسط، بينهما فرسخ. ينظر: "معجم البلدان" 2/ 434، والمذكور في "تفسير مقاتل" (دامرودان).]]، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها [[في (ش) و (ي): (منه).]]، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا [[وهذا قول ابن عباس والسدي وأبي مالك وابن زيد والحسن وعمرو بن دينار. ينظر "تفسير الطبري" 2/ 589، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 458، "الدر المنثور" للسيوطي 1/ 551، و"بذل الماعون في فضل الطاعون" ص 236، قال الحافظ ابن حجر في "بذل الماعون" ص 235: والطرق الماضية من أن فرارهم كان بسبب الطاعون أقوى مخرجًا وأحسن طرقًا.]]. وقال الضحاك [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 456، وذكره الحافظ في بذل الماعون ص 235، وعزاه إلى سنيد في "تفسيره"، وإلى الطبري في تفسيره، وليس عند الطبري، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 245.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 1/ 202، "تفسير الثعلبي" 2/ 1298.]] والكلبي [["تفسير الثعلبي" 2/ 1298.]]: إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت. واختلفوا في مبلغ [[ساقطة من (ش).]] عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 590، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 456 - 457، "تفسير الثعلبي" 2/ 1299.]]. والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير [[في (ي): (الكثير).]]، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف [[هذا ترجيح الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1301، وتنظر الأقوال: عند الطبري في "تفسيره" 2/ 585، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 455، والسيوطي في "الدر المنثور" 1/ 551، والحافظ في "بذل الماعون" ص 232.]]. وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر [[ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 324، "البحر المحيط" 2/ 250.]]. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم [[في (ي) (قوله موتوا).]]: موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل [["تفسير الثعلبي" 2/ 1309، والبغوي في "تفسيره" 1/ 294.]]، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: 65] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه [[في (ي) و (ش) (فيه).]] الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: 65] [[ينظر: "تفسير البسيط للواحدي" الدكتور/ محمد الفوزان ص 1019.]]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في [[ساقطة من (ش).]] طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس [["تفسير مقاتل" 1/ 203، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1305، والثعلبي في "عرائس المجالس" ص 252، والبغوي في "تفسيره" 1/ 293.]]. وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 589.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى [["تفسير الطبري" 2/ 591.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب