الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال [[في (م): فقال.]] له: حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله أولاد معه أبواه وامرأته، فمات، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأعطى رسول الله ﷺ والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا [[ذكره الثعلبي 2/ 1288، واليه وحده عزاه الحافظ في "الإصابة" 2/ 32، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 311 عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه ابن حجر في "العجاب" 1/ 600، والسيوطي في "اللباب" ص 52، وفي "الدر" 1/ 550 إلى إسحاق بن راهويه في "تفسيره"، وأورد مقاتل في "تفسيره" 1/ 202 نحوه، وروى أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 129، والطبري في "تفسيره" 2/ 580، وغيرهم عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله .. الحديث.]]. فكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن [[في (ي): (في).]] التزوُّجِ، ولكن كانت مخيرةً في أن تعتدَّ إنْ شاءت في بيتِ الزوجِ، وإن شاءت خَرَجَتْ قبلَ الحَوْلِ، على أنها إنْ خرجت سقطتْ نفقتُها. هذا جملةُ حكم هذه الآية. ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما [[ساقطة من (ي).]]: أن العدة صارت مُقَدَّرةً بأربعة أشهرٍ وعشر، وقد تقدمت الآية الناسخة. والوجه الثاني: أن الميراث ثبت [[في (ي): يثبت.]] لها، وسقطت نفقة العدة [["تفسير الثعلبي" 2/ 1290، وينظر "صحيح البخاري" (4536) كتاب: التفسير،== باب: والذين يتوفون منكم، "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 129، "تفسير الطبري" 2/ 582، "ونواسخ القرآن" لابن الجوزي ص252، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 9/ 493: قال ابن بطال: وأطبقوا على أن آية الحول منسوخة، وأن السكنى تبعا للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا، وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر. وذهب مجاهد كما رواه البخاري (5344) كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾، وآخرون من أهل العلم أن الآية محكمة، قال الشيخ السعدي في "تفسيره": ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية -وهو عدم النسخ- هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولا كاملا جبرا لخاطرها وبرا بميتهم، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها. اهـ. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 318 أن قول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة والعشر فمسلّم، وان أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة.]]. واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها [[قرأ بالرفع: ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 184.]]. فمن رفع فله وجهان: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ [[في "الحجة" لأبي علي: تحضيض.]]، كما حسن أن يرتفع: سلام عليكم، وخير بين يديك. والوجه الآخر: أن يُضمر [[في (ش): (يضمر).]] له خبرًا، فيكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾ صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم [[كذا نقله من "الحجة" 2/ 341 - 342.]]. قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا [[عند الثعلبي: رأينا هذا.]] المعنى كله في القرآن رفعًا، مثل قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: 92] ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]. ونحوهما [[نقله عنه الثعلبي2/ 1287.]]. ومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾ وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن [[في (ش) و (ي): (على).]] النكرة كان استعماله صفةً أكثر، وإذا كان خبرًا تقدم على النكرة، كقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ [المؤمنون: 63] ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾ [ق: 35] فإذا تأخرت فالأكثر [[في (ي): فأكثر.]] فيها أن تكون صفات، وهاهنا تأخر الظرف، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا [[من "الحجة" لأبي علي 2/ 343.]]. فإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟. قلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها [[من "الحجة" لأبي علي 2/ 343.]]. وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع [[ينظر: "البحر المحيط" 2/ 245.]]. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا. وقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله [[ليست في (ي).]]: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا﴾ [البلد: 14 - 15] [[ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1287، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143.]]. وعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها [[في (ش): إطعامها.]] [["تفسير الثعلبي" 2/ 1288، وزاد: وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه.]]. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نصب على أنه [[ساقط من (ي).]] صفةٌ لمتاع، وقيل: نصب بوقوعه موقع الحال، كأنه قال: مَتِّعوهن مقيمات غير مخرجات. وقيل: انتصب بنزع [[في (ي): انتزع بنصب.]] الخافض، أراد: من غير إخراج [[ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1288،"مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143.]]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ يعنى: التشوف [[في (ش): (الشوق)، وفي (م): (التشوق).]] للنكاح والتصنع للأزواج [["تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291.]]. قال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا [[ينظر كلامه عند تفسيره لآية 106 في: بيان الصحيح في النسخ.]]. وفي [[في (ي): (في).]] رفع الجناح عن الرجال بخروج النساء وجهان: أحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها [["تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب